الصبي الذي سَخَّرَ الريح.. عندما ينتصر الفقر على السلطة والفساد

قصة الصَبي المالاوي الذي اخترع مضخة مياه تعمل على الطاقة الكهربائية المتولدة من الرياح؛ حقيقية، فقد نُشرت في كتاب وقامت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بنقلها إلى الشاشة الكبيرة بالعنوان نفسه “الصبي الذي سَخّر الريح”.

وعلى غرار بقية إنتاجها السينمائي حافظت الهيئة في فيلمها الجديد على أسلوبها الكلاسيكي في السرد والاشتغال، ومتابعة مسار سرد الحكاية وفق تطور درامي تقليدي لا زيادات فيه ولا تجاوزات لتقاليد كتابة سينمائية يشعر المرء بأصالتها منذ اللقطة الأولى.

فيلم “الصبي الذي سَخَّرَ الريح” أخرجه وكتب سيناريو قصته وأيضا لعب دورا رئيسيا فيه الممثل البريطاني تشيويتل إيجيوفور، وهو المرشح لنيل جائزة الأوسكار كأفضل ممثل عن دوره في فيلم “12 سنة عبدا”، والحاصل على أوسكار أفضل فيلم عام 2014.

النص السينمائي يبدأ بعرض أحوال قرية ويمبي، حيث يعيش مُزارعوها أحوالا مضطربة بسبب الظروف البيئية القاسية والضغط المستمر عليهم من قِبل شركات زراعة وتصنيع التبغ، وكي تقوم هذه الشركات بتجفيف محصولها تضغط على الفلاحين لبيع أشجار حقولهم لاستخدام أخشابها وقودا، وهو ما يهدد أراضيهم بأن تفقد موانعها الطبيعية ضد الفيضانات والرياح الموسمية الجافة.

وسط هذه القرية كانت تعيش عائلة تريويل كامكوامبا في وفاق مع بقية سكان القرية، فزعيمها المسلم حافظ على وحدتهم وعاملهم سواسية بغضّ النظر عن اختلاف دياناتهم، وكان مدافعا شجاعا عن حقوقهم.

نبوغ يواجه الفقر والفساد

الصبي ويليام كمكوامبا (لعب دوره الممثل ماكسويل سيمبا) كان في العام الأول من الألفية الثالثة طالبا في المرحلة الابتدائية، حيث يقضي أوقات فراغه -على عكس بقية أولاد القرية اللاهين باللعب- بتصليح الأجهزة الكهربائية العاطلة مثل الراديوهات والمسجلات، ومن الخردة يصنع أشياء مفيدة.

كانت موهبة ويليام واضحة مع كل فقر عائلته، كما أن عوزهم كان يهدد متابعة دراسته، فعدم دفع أجورها السنوية يعني تعريضه للطرد وبالتالي ضياع مستقبله. وعلى هذا التهديد اشتغل المخرج إيغيوفور كثيرا، لما فيه من دلالات عميقة، فحكومة مالاوي الفاسدة لا تؤَمّن لأولاد الفلاحين الفقراء تعليما مجانيا، ولا تساعد سكان القرى على مواجهة خطر الجوع في مواسم الجفاف، أو التي تفيض فيها مياه الأنهار فتُغرق حقولهم، فالمهم بالنسبة لقادتها الحفاظ على علاقات جيدة مع أصحاب الشركات الكبيرة، والحصول على قروض البنك الدولي.

وجودُ التهديد الطبيعي الدائم وضيقُ يد أهله شَغَل عقل الصبي الصغير، ودفعه للتفكير بإيجاد حلّ جذري يُجنّب قريته مصائر تراجيدية، فإهمال الحكومة دفع والده إلى العمل “السياسي”، حيث قام بتحريض الفلاحين على المطالبة بحقوقهم والخروج على الحكومة المُتخلية عن مسؤولياتها. الجانب السياسي ربطه المخرج إيغيوفور بالظرف الاقتصادي الذي يعيشه فلاحو مالاوي، وما يترتب عليه من نتائج تسمم حياتهم وتهدد مستقبل أولادهم.

الصبي ويليام كمكوامبا الذي لعب دوره الممثل ماكسويل سيمبا في فيلم “الصبي الذي سخّر الريح”

القرية وفساد السلطة

في النصف الأول من فيلم “الصبي الذي سَخّر الريح” يركز على أحوال القرية، حيث يأخذ الصبي الموهوب مساحة أقل، فحياته وفق نص إيغيوفور لا تنفصل عن حياة القرية ولا عن نظام مالاوي السياسي كله.

يعمل إيغيوفور على تجسيد علاقتهم بالسلطة الفاسدة، وذلك عبر مشاهد مكثفة وذات دلالات عميقة، مثل مشهد تعرّض زعيم قبيلتهم للضرب على يد قوات حماية رئيس الحكومة، وذلك بعد إعلان مواقفه الشجاعة ومواجهته بالأسباب الحقيقية التي جاءت به إليهم، حيث جاء طمعا في كسب أصوات القرية لدعم حملته الانتخابية والفوز بها، لا لتفقد أحوالهم والسؤال عمّا يعانون.

دعا زعيم القبيلة في خطبته السكان إلى منح أصواتهم لزعيم سياسي يفي بوعوده ويُؤَمّن ظروف عيش أفضل لهم. لقد دفع ثمن مجابهته دعاة الديمقراطية الكاذبة غاليا، فقد فارق الحياة لشدة الإصابات التي تلقّاها ولم يتحمل جسده الضعيف شِدتها.

مضخة المياه التي تعمل على الطاقة الكهربائية المتولدة من الرياح والتي كانت فكرة الصبي الموهوب لحل أزمة قريته

سوة الطبيعة وقسوة الناس

قسّم إيغيوفور فيلمه إلى فصول، فكل فصل يحمل عنوانا فرعيا يمثل منعطفا وتطورا في مسار الحكاية وتصعيد حبكتها الدرامية، ففي فصل “الفيضانات” التي غطّت سيولها زرعهم وزادت من عجز والد الصبي (الممثل تشيويتل إيغيوفور) عن توفير مصدر مالي وغذائي يسدّ به جوع عائلته، ترسخت قناعة الصبي الموهوب بضرورة إيجاد حلّ جذري؛ ليس لعائلته وقريته فحسب، بل لكل فلاحي مالاوي. ذلك الفصل من حياته سينقل مسار الحكاية إلى مستوى أكثر دراماتيكية، وستتمركز الحبكة حول الصبي ومسعاه النبيل.

وفي بقية الفصول يتابع المتفرج انعطافات حادة أخرى تصبّ صياغتها دراميا في خدمة بناء وتطور الشخصيات نفسها، فالفيلم المشغول بتروٍّ وهدوء لافتين لا يستعجل الوصول إلى نهايته دون إشباع كل جوانب المشهد العام لبلد وحيوات تتفاعل داخله وتتصارع فيما بينها.

فقسوة الطبيعة ليست هي كل ما يواجه القرية، بل العلاقات الفردية والسياسية المتحكمة فيها، والمدرسة أحد عناوينها، فمديرها لا يلتفت إلى حال طلابه، فكل ما يريده منهم أقساط الدراسة ولا شيء آخر، قسوته يجاورها عطف مديرة المكتبة التي تتيح للصبي فرصة القراءة والاطلاع على الكتب العلمية، خاصة المتعلقة بالمراوح الهوائية العملاقة، مُهدِّدة بذلك التجاوز مستقبلها مقابل تفهمها لنُبل ودوافع صبي اختار إنقاذ قريته بدلا من اللعب مع صبيان في مثل عمره.

أزمنة العائلة المتقلبة

رغم ذكائه ونجاحه في امتحاناته طُرد ويليام من المدرسة، وذلك لأن والده تخلّف عن دفع أجور دراسته، فأصبح حاله حال أخته التي أنهت دراستها الثانوية قبله، لكن الفقر منعها من إتمام دراستها الجامعية.

طرده وحزنه العميق كانا كافيين لسحب الفيلم إلى مسار جانبي يمكن من خلاله عرض تفاصيل أكثر من حياة العائلة، فوالده ورغم أُميّته وعدم توفر فرصة مناسبة له لنيل قسط من التعليم، فإنه كان يتمتع بوعي سياسي فطري، مقابل والدته التي لا تهتم بالسياسة لكنها تملك وعيا لافتا، وإيمانا بأهمية إتمام أولادها دراستهم الأكاديمية، لقد كانت ترى فيهم مستقبلا واعدا.

تمرّ العائلة بمطبات وتتعرض لهزّات واختبارات جديّة، من بينها التمسك بحق ابنهم في الدراسة. لقد آمنت والدته بقدراته، ولهذا وفي لحظة الحسم وقفت إلى جانبه ضد زوجها، وأثبت الزمن صحة موقفها. يهتم الفيلم البريطاني بالمرأة ويعطيها من مساحته الزمنية 143 دقيقة، وهي مكانة تستحقها توافقا مع ما جاء في مذكرات “الصبي الذي سَخّر الريح”.

بالتضامن والتضحيات وانكباب ويليام على المطالعة توصّل إلى ما يريد حتى أن والده أضحى فخورا فيه

عندما يتحقق الحلم

الأكثر إيلاما من الفيضانات كانت مواسم الجفاف، فالزرع والضرع ماتا فيها، وأفرز الجوع خلافات اجتماعية وسلوكيات شائنة لم تعرفها القرية من قبل. كان الصبي وسط كل ذلك البؤس والتمزق العام مقتنعا بقدرته على ابتكار اختراع علمي يوفر للقرية المياه العذبة طيلة الفصول، ليجنبهم كل ما يمرون به من مآسٍ حقيقية ومصائب.

جرّب ويليام مع أصدقائه في البداية صناعة مولد كهربائي مُصغر من أدوات بسيطة وخردوات، فنجاح التجربة كانت بالنسبة له دليل قاطع على إمكانية تكبير النموذج المصغر وجعله واقعيا يؤدي وظيفته المرتجاة. التجربة دلت على أن طواحين الهواء التي تدور مراوحها بالرياح يمكن صنعها الآن لو توفرت للصبي العبقري موادها الأولية.

وبالتضامن والتضحيات وانكباب ويليام على المطالعة توصّل إلى ما يريد؛ طاحونة هواء بدائية الصنع تولد تيارا كهربائيا يحرك بدوره مضخة ترفع المياه من جوف الأرض إلى السطح.

لم يصدق والده ما رآه أمام عينيه، مياه تجري بين سواقي حقله الجاف لتروي نباتات زرعه العطشان، شعر بالفخر والندم أيضا لرفضه في البداية الفكرة وتمسكه بدراجته الهوائية التي طلب ولده منه التخلي عنها ليستخدم أجزاء منها في بناء مشروعه الطموح، لقد وجد ابنُه حلّا عجيبا يُنقذ به القرى الفقيرة من الجوع والكفّ عن الاعتماد الكلي على الطبيعة.

ليس الأهم في فيلم “الصبي الذي سَخّر الريح” قصته، بل أسلوب اشتغال مخرجه واحترافيته الإنتاجية، فكل ما فيه معمول بنظافة وإتقان، فالتمثيل رائع والتصوير مبهر، والموسيقى المصاحبة مكملة للنص المكتوب برشاقة لافتة تُلزم المتفرج بمتابعة مسار الحكاية حتى نهايتها. هكذا هي حال أغلب نتاجات بي بي سي السينمائية، وفيلم “الصبي الذي سَخّر الريح” واحد من أجملها.

اترك تعليقاً