ضرب الأطفال…: يهدد مستقبلهم ويشكل خسارة كبيرة على مستوى المجتمع

يعتبر الطفل أحد أهم مكونات الأسرة بشكل عام، والأسرة المسلمة بشكل خاص… فهو امتداد لوالديه حيث يمثل واحدة من غايات الزواج وهي بقاء النوع وتواصله لتحقيق الغاية في الخلق وهي عمارة الكون وعبادة الله جل شأنه… وبعد هذا فهو زينة الحياة الدنيا بالنسبة للآباء ومصدر إسعاد لهم… ثم انه بعد ذلك يمثل عُدة المجتمعات والأمم في المستقبل بعد أن يتسلم الراية من الأجيال السابقة… وهكذا دارت عجلة الحياة وتواصلت الأجيال حسبما أراد الله سبحانه وتعالى.

ويتوقف بشكل كبير تقدم المجتمعات والأمم وتفوقها في جميع المجالات، على قدر اهتمامها بالأطفال والنشء وحُسن رعايتها لهم، وتوفير الوسائل والامكانات اللازمة لتنشئتهم التنشئة الصحيحة، وتجنبهم كل ما من شأنه احداث آثار سلبية في نفوسهم وبخاصة التعامل معهم بأي أسلوب من وسائل العنف أو العقاب البدني الذي يجعلهم أكثر عدوانية وغير أسوياء في سلوكياتهم وتصرفاتهم… فإن هناك طرقاً كثيرة وأساليب لتربية الأطفال وتوجيههم أفضل من الضرب، وقد يكون الضرب آخر الحلول، وقد يخطئ الآباء في ذلك ويتعجلون في الضرب ويجعلونه الوسيلة الأولى للتربية عند أي خطأ يصدر من الطفل.
لكن من المعلوم أن للضرب آثاراً نفسية على الطفل مستقبلاً قد يجهلها الآباء والأمهات، لأنه يولد أحياناً لدى الطفل أمراضاً نفسية خطيرة كالاكتئاب والخوف والوحدة والانعزال وضعف الشخصية، وعدم القدرة على الاعتماد على النفس واتخاذ القرار، ويسبب الضرب للطفل أحياناً الاصرار على الخطأ والتمادي فيه.
ان قضية ضرب الأطفال أو الاعتداء البدني عليهم – بقصد أو بغير قصد – أمر غاية في الخطورة ويؤثر بشكل مباشر على مستقبل المجتمعات والأمم… لذلك سنطرح سؤالاً حول هذه القضية مفاده: هل ضرب الأطفال فشل في التربية أو أسلوب ناجح لها؟
وسنسعى للاجابة عن هذا التساؤل في السنة النبوية المطهرة كونها منهج المربي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك عند علماء النفس وأرباب العلم الحديث الذين يبحرون بنظرياتهم في مكنون الشخصية الإنسانية بشكل عام والطفل – موضوع حديثنا – بشكل خاص.

الهدي النبوي
إذا أردنا الحديث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الأطفال، فحدث ولا حرج… فإنك تتكلم عن مدرسة متكاملة المناهج، راسخة الأصول، يانعة الثمار، وافرة الظلال في التربية والتنشئة، حيث اعتنى بهم بنفسه – صلى الله عليه وسلم – وأوصى بهم خيراً في العناية والرعاية، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نُحسن معاملتهم وأن نرفق بهم.
فقد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه لم يضرب طفلاً في حياته قط… بل انه صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نعطف على الصغار وأن نُحسن إليهم منذ اللحظة الأولى، بل من قبل أن يأتي إلى الدنيا. فأمر أن نُحسن اختيار أمّه كما ورد في الحديث (فاظفر بذات الدين تربت يداك)… فهذا هو سيدنا أنس بن مالك – رضي الله عنه – يخدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عشر سنوات والعجيب أن النبي وخلال كل هذه المدة، لم يوّبخه ولو مرة واحدة! ولم يقل له: لماذا فعلت كذا، أو لماذا لم تفعل كذا، بل كان يعلمه ويرفق به.
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما (عن أنس قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين بالمدينة وأنا غلام، ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن أكون عليه، ما قال لي فيها أف قط، وما قال لي لِمَ فعلت هذا أو ألا فعلت هذا) (متفق عليه).
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه «وهو طفل» بعدما خدم النبي عشر سنوات: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً) (متفق عليه)، وسبحان الله، أين نحن اليوم من هذه الأخلاق النبوية الحسنة؟
طبعاً ان النبي الكريم خالف عادات المشركين في عصره، حيث كانت القسوة مع الطفل عادة سائدة، وضرب الأطفال والنساء شيء جيد في عرف الجاهلية الأولى. وكان الآباء يسيئون معاملة أبنائهم ويضربونهم ويعتقدون ان هذه هي التربية المثالية.

ضرب الأطفال… ممنوع في السُنة النبوية وعند علماء النفس: يهدد مستقبلهم ويشكل خسارة كبيرة على مستوى المجتمع

ولكن النبي الرحيم الذي قال الله في حقه: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم» (التوبة: 128)، هذا النبي جاء رحمة للعالمين، وجاء ليصحح الأخطاء وليعلمنا الأسلوب المثالي للتربية السليمة، فنهى عن ضرب الأطفال، إلا إذا رفض الطفل الاستجابة للصلاة، فالضرب الخفيف في هذه الحالة هو أمر حسن ومطلوب، وعلى الرغم من ذلك لا يجوز ضرب الطفل قبل سن العاشرة!
والسبب في ذلك ان شخصية الطفل تتكون خلال السنوات العشر الأولى، وتأثره بالضرب يكون كبيرا جدا خلال هذه السنوات، أما بعد ذلك فيكون تأثير الضرب على حالته النفسية أقل. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع) (السلسلة الصحيحة للألباني).

الضوابط الشرعية
لكن ومن خلال الهدي النبوي أيضاً فإن ضرب الأطفال وتأديبهم مسموح ولكن وفق ضوابط شرعية في التعليم، وقد ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
– ما رواه أحمد في مسنده باسناد حسن عن معاذ رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات. قال «لا تُشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة وإياك والمعصية فإن بالمعصية حل سخط الله عز وجل وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس وإذا أصاب الناس موتان وأنت فيهم فاثبت وانفق على عيالك من طولك ولا ترفع عنهم عصاك أدباً وأخفهم في الله».
– وما رواه الشيخان عن كريب مولى ابن عباس انه أخبره عن عبدالله بن عباس – رضي الله عنهما – أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين – رضي الله عنها – وهي خالته – قال فاضطجعت على عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس، فمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر آيات خواتيم سورة آل عمران، ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يُصلي. قال عبدالله بن عباس – رضي الله عنهما – فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي، وأخذ يأدني اليمنى يفتلها بيده، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.

العقاب البدني
هذا غيض من فيض من الهدي النبوي في معاملة الأطفال بالحسنى وعدم تعريضهم للضرب أو العنف البدني وهذا ما ينادي به علماء الغرب اليوم.
فماذا يقول علماء النفس حديثاً عن ضرب الأطفال؟ وما نتائج العنف معهم؟ لنقرأ هذا الخبر العلمي الذي يؤكد أن العقاب البدني يجعل الأطفال أكثر عدوانية!
فقد وجد بحث علمي أن العقاب البدني يجعل الأطفال أكثر عدوانية ويؤثر على نموهم الذهني وقدراتهم الادراكية. وأظهرت الدراسة عن الأطفال، وعدد من الدراسات الأخرى تابعت مجموعة أطفال من مرحلة الطفولة وحتى البلوغ، ان الضرب قد يجعلهم أكثر انعزالية، وان أولئك الذين تعرضوا للعقاب البدني في عمر سنة واحدة أصبحوا أكثر شراسة وتراجع نمو قدراتهم الادراكية، مقارنة بمن يتم تقريعهم شفاهة فقط.
وبينت دراسة منفصلة ان معاقبة الأطفال بدنيا يطور لديهم ظاهرة السلوك الاجتماعي الشائن، وبواقع ثلاثة أضعاف، عن أقرانهم ممن لم يتعرضوا للضرب. وأظهرت النتائج أن تعريض الأطفال لمزيد من الضرب في عمر سنة واحدة يجعل تصرفاتهم أكثر عدوانية عند بلوغ الثانية، وتدنت درجاتهم في اختبارات مهارات التفكير عند بلوغ الثالثة.
وقالت د. ليز برلين، الباحث العملي في «مركز سياسة الطفل والأسرة» بجامعة نورث كارولاينا: «نتائجنا تظهر بوضوح أن الضرب يؤثر على نمو الأطفال». وشارك في الدراسة المنشورة في دورية «تطور الطفل» عدد من الباحثين من جامعات أميركية مختلفة.

يخلف أمراضاً وآثاراً نفسية خطيرة يجهلها الآباء والأمهات

وتقول د. جنيفر لانسفورد، من «جامعة ديوك» والتي قادت بحثا مشابها حول تأثير الضرب على الأطفال من سن الخامسة وحتى 16 عاماً، ان تلك الفئة التي تتعرض أحياناً للتقريع البدني، أكثر عرضة لتطوير سلوك اجتماعي معاد عند البلوغ، وبواقع الضعف أو ثلاثة أضعاف. ومن أمثال تلك السلوكيات، التمرد في البيت أو المدرسة. والآن لاحظوا كيف أن العلماء ينادون بضرورة الاهتمام بتربية الطفل وعدم ضربه، بل بتوجيهه ونصحه وتعليمه، وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال.
فمن الذي علم النبي الكريم أصول التربية الحديثة؟ ولماذا خالف الناس في زمانه ولم يأمر بضرب الأطفال؟ لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نخاف الله في أولادنا؟ تأملوا معي هذه الوصية الرائعة للنبي الرحيم عندما قال: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم» (البخاري ومسلم)! سبحان الله! بعد كل هذه الحقائق يأتي من يقول إن النبي عليه الصلاة والسلام كان «إرهابيا»!!! أو يقولون إن الإسلام انتشر بالقوة وبحد السيف، أو أن المسلمين لديهم عنف وتخلف!

دراسات وأبحاث
وفي سياق متصل، بهذه القضية فإن هناك العديد من الدراسات والأبحاث التي أجريت في هذا الشأن للوصول إلى النتائج والآثار السلبية على الطفل جراء معاقبته بالضرب.
فحسب نتائج أربع دراسات أجريت بواسطة «مركز ومختبر أبحاث العائلة» جامعة نيوهامشير الأميركية في العام 2009، أثبتت أن الوالدين اللذين يعاقبان الطفل بالضرب والصفع يجعلانه أكثر عرضة لأن يمارس الانحرافات الأخلاقية في كبره كالاغتصاب والتحرش والسلوكيات المؤدية للأمراض الجنسية وانحرافات أخرى عادة ما تؤدي إلى الطلاق، بالإضافة للعنف الأسري، وتبين ان كل خطوة عقابية جسدية تؤدي إلى زيادة ميل الذكور لممارسة الاغتصاب بنسبة 33 في المئة، وميل الإناث لممارسة الاغتصاب بنسبة 27 في المئة.
وقال مدير (مركز أبحاث العائلة – جامعة هامشير) البروفيسور موراي سترواس: انهم توصلوا بعد أكثر من 100 دراسة قاموا بها إلى نتائج عدة منها: ان مجرد صفع الطفل هو من الأسباب الرئيسة لمعاناته في كبره من الاضطرابات العقلية والنفسية والجنسية والعنف الأسري ومشكلات في العلاقات.
أما عن الأثر الآخر الخطير، فحسب بحث آخر لذات المركز جرى على مستوى العالم وأجرى فيه مسحاً على طلاب الجامعات في 32 دولة، قارن بين معدلات ذكاء الذين تعرضوا للصفع في طفولتهم وآخرين لم يتعرضوا للصفع، وجد ان الذين تعرضوا للصفع انخفض معدل ذكائهم بقدر تكرار صفعهم، وحتى الصفع النادر أدى لحدوث انخفاض في معدل الذكاء، وهذا يؤدي إلى تفاوت في التحصيل الدراسي، وتوصلت دراسة أخرى لزيادة خطر الاصابة بالأمراض المزمنة لدى الذين يتعرضون كأطفال للعنف المادي أو المعنوي. وهذا يعني وجود فارق في معدلات الذكاء بين الأمم التي يشيع فيها ضرب الأطفال، وبين التي منعته، فاستسهال الوالدين لقمع سلوك الطفل بالضرب ليس فقط يهدد مستقبله العلمي والصحي والعائلي، بل أيضاً يشكل خسارة على مستوى الأمة، لأنه يولد جيلاً مستوى الذكاء فيه أقل من نظرائه في العالم.

العنف من الحسبة!
قد يرى البعض أن العنف ضد الأطفال وضربهم أمر عادي، وهو ليس كذلك، فالمتتبع لسُنة النبي صلى الله عليه وسلم – كما بينا – يرى أن منهجه التربوي والتعليمي يمنع ضرب الأطفال إلا في حدود التأديب وفق ضوابط شرعية، بل وطالبنا بالإحسان اليهم ومعاملتهم برفق، وهذا ما ذهب اليه علماء النفس وعلماء الاجتماع وليس أدل على ذلك مما قاله ابن خلدون في مقدمته (الجزء الثالث): ان من وظائف الحسبة منع العنف ضد الأطفال. جاء ذلك في معرض تعداده لوظائف المحتسب فقال: والضرب على أيدي المعلمين في الكتاتيب – يعني المدارس – وغيرها في الإبلاغ – يعني المبالغة – في ضربهم للصبيان.
لقد رأى ابن خلدون أن إحدى وظائف المحتسب هي محاسبة من يتعرض بالضرب للأطفال أو الصبيان – على حد تعبير – حتى وإن كان يعلمهم في الكتاتيب أو المدارس لأن العنف كما ثبت في جميع الدراسات والأبحاث ومن خلال الواقع الملموس لا يأتي بخير إنما عواقبه وخيمة على الطفل حاضراً ومستقبلاً.
فما أحوجنا إلى إعادة التفكير في أنماط التربية ووسائلها وليس أفضل من اتباع سُنة المربي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً