العقاب بالحب.. مساومة الطفل بالعاطفة

   "مفتاح عائلة متماسكة قريبة هو الحب غير المشروط" (فيليبس)

“قبل أن أتزوج كان لدي ست نظريات في تربية الأطفال، أما الآن فعندي ستة أطفال وليس عندي نظريات لهم”

(جان جاك روسو)

مشهدٌ يتكرر في غالبية البيوت، تهددُ فيه الأم طفلها الذي لوّث ملابسه بالطين؛ ليس بحرمانه من اللعبّ ولا حتى بالذهاب إلى الحديقة، أو تناول المعكرونة التي يفضلها، بل تهدده “بالحب”. وعادةً يكون هذا التهديد بتداول الوالدين عبارات “إذا حصلت على علامات عالية سأحبك! إذا رتّبت غرفتك سأحبك! إذا كنت ولداً مهذّباً سأحبك!”

ماذا لو تحوّل الحب من مشاعر إلى وسيلة نستخدمها ضمن معايير وشروط خاصة، ماذا لو أصبح الحبّ هديةً لا يمكن شراؤها ولا كسبها؛ تخيل أننا نمارس ذلك بطريقةٍ لا شعوريةٍ مع أبنائنا، نمارسهُ في مواقفَ متعددة؛ في البيت والسوق والشارع.

التطور العاطفي للطفل يبدأ منذ لحظة الولادة، من خلال بحثه عمّن يقدم له الرعاية والاهتمام، والذي يندرج من ضمنه منح الحب والأمان للطفل. فالعلاقة الحميمية في مراحل الطفولة المبكرة لها تبعاتها النفسية والعاطفية التي ترافق الصغير إلى أن يصبح رجلاً، وأي هشاشة فيها قد يتبعها مشاكل سلوكية ونفسية، لاسيما المتعلق منها بالثقة بالذات والتواصل وإقامة العلاقات مع الآخرين.

لا يميّز الأطفال بين فكرة “رفض” السلوك من قبل الأهل، وفكرة “حجب” الحب بسبب هذا السلوك، فالطفل لا تصله سوى رسالة واحدة “أبي لم يعد يحبني” أو “لم تعد أمي تهتم بي”

وينطبق الأمر على كل الأفكار والمعتقدات والمشاعر التي نمررها لأبنائنا في مرحلة الطفولة، والتي ستصبح جزءًا منهم فيما بعد، فمعظم الأفكار والسلوكيات التي تمرر من خلال التربية تبقى مرافقة لهم طيلة الحياة، وهي جزء لا يتجزأ من طريقة رؤيتهم لأنفسهم وللواقع فيما بعد. لذا كيف سيبدو هذا الإنسان بعد 15 عامًا، بعد أن يكون رجلاً معتمدا على ذاته؟ وفي هذا السياق نستحضر دراسة أفادت أن “الإنسان يقضي من 30 -40 سنة من عمره وهو يحاول التغلّب على ما حمل من مشكلات وانطباعات خاطئة ومفاهيم سيئة في السنوات الخمس الأولى من عمره”

متى يلجأ الوالدان لــ”حجب الحب” عن الطفل؟

   “مفتاح عائلة متماسكة قريبة هو الحب غير المشروط” (فيليبس)

قد يتوجه الأهل لاستخدام أساليب الحبّ المشروط كجزء من هيمنة الوالدين التي تُفرض على الأبناء، والتي يجد فيها الوالدان وسيلة للسيطرة، وطريقةً لتعزيز التوافق في المشاعر والسلوكيات بينهم وبين أبنائهم، والتي تلعب من -وجهة نظرهم- دورًا هامًا في غرس القيم والمعتقدات، وينطبق ذلك على كل ما له علاقة من مفاهيم عامّة كالإنجاز، والنجاح، والتفوق وغيرها. وهنا نطرح سؤالًا: متى يتجّه الوالدان لاستخدام صيغ الحب المشروط؟ وهل استخدامها كوسيلة كفيلة لتعديل السلوك أو تهذيبه؟ وهل هي جزء من منظومة الثواب والعقاب؟

يمثل عصيان الطفل شكلًا من أشكال الرفض والتمرد من -وجهة نظر الأهل-، كما هو الحال مع ارتكاب تصرفٍ خاطئ يندرج ضمن السلوكيات التي ينبغي إصلاحها وتقويمها، وفي كلتا الحالتين يلجأ الأهل لاشتراط إعطاء الحب، أو حتى بالأحرى “حجب” الحب. ولكن هل يمكنك فعليًا أن تحجب حبّك عن طفلك؟ وهل بالإمكان “تعليق” هذا الحب ولو بشكل استثنائي؟

عادةً لا يميّز الأطفال بين فكرة “رفض” السلوك من قبل الأهل، وفكرة “حجب” الحب بسبب هذا السلوك، فالطفل لا تصله سوى رسالة واحدة “أبي لم يعد يحبني” أو “لم تعد أمي تهتم بي”. لذا فإن خبراء تربية الأطفال يجدون أنه من الضروري بعد كل سلوك خاطئ يصدر عن الطفل، أن يعبِّر الآباء والأمهات عن حُبِّهم لأطفالهم، فأن يكون للأفعال عواقبٌ فهذا جيد، لكن بالتأكيد لا تصل إلى “حجب” الحب، فالطفل يتغير بلا شروط ولا اشتراطات.

فيما يرى آباء آخرون بأن الحب المشروط ليس أداة للعقاب أو لتهذيب السلوك، بقدر ما هو وسيلة للتحفيز ودفع الأبناء نحو تطويرهم والارتقاء بهم، كأن يكونوا متفوقين في دراستهم الأكاديميّة أو في رياضةٍ ما أو في مهنة يمارسونها؛ والتي تشكل فيما بعد عبئاً على الأبناء، مما تخلق نوعاً من الهشاشة العاطفية في العلاقة مع الوالدين. يقول الكاتب الأميركي بروكس في مقال حول فوائد الحب غير المشروط “الآباء يريدون بشدة السعادة لأطفالهم، ويرغبون بطبيعة الحال في توجيههم نحو النجاح بكل ما في وسعهم، لكن ضغوط التميز يمكن أن تضع هذا الحب في بعض الأحيان على أساس زائف، لأنه يقوم على المواهب والإنجاز، ولكن من المفترض أن الحب الأبوي أن يكون غافلاً عن الإنجاز”

الحبّ المشروط عنفٌ من نوعٍ آخر

يهدف العنف المادّي لإلحاق الضرر بالآخرين جسدياً ونفسياً وعضوياً، فيما هناك نوعٌ آخر من العنف يكون غير محسوس، هو عنف لا يسبب ألماً جسدياً ولا يترك ندوباً وجروحاً يمكن ملاحظتها، وإنما هو عنف يكون من خلال استخدام اللغةّ أو الأفكار، والتي يتم من خلالها فرض الهيمنة والسيطرة على الآخرين دون إدراكهم لذلك. ويعرف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو الذي أنشأ مصطلح العنف الرمزي بأنه: “عنف لطيف، عذب، غير محسوس، وهو غير مرئي للضحايا، يمارس عبر الطرائق والوسائل الرمزية الخالصة، أي عبر التواصل، وتلقين المعرفة”

ويحقق العنف الرمزي بالنسبة لبورديو نتائج أحسن قياساً مما يحققه العنف السياسي المباشر، ففي العنف الرمزي يمكننا قبول العديد من الأفكار والمعتقدات كمسلّمات وقيم تُفرض علينا بتلقائية وسهولة دون أن نشعر بها[6]. يعتبر الحب المشروط شكل من أشكال العنف الرمزي المستخدم من قبل الأهل، والذي يتمثل بالمبالغة في مراقبة الطفل والتعليقات المستمرة على سلوكه، حتى وإن كانت هذه التعليقات إيجابية، مما تشعره بالانزعاج عدا عن شعوره بالرقابة المستمرة، مما يؤدي إلى زعزعة ثقته بنفسه، أو إطلاق الألقاب عليه أو حتى تصنيفه ضمن أوصاف الغباء أو الكسل.

ويتضح العنف الرمزي أيضاً، من خلال بناء حدود وقواعد يتصرف الطفل في نطاقها، كأن تكون بعض الخطوط الحمراء التي يُمنع تجاوزها، والتي تدفع الآباء فيما بعد باللجوء للحب المشروط كوسيلة للتأديب والعقاب، أو حتى تمرير بعض الأفكار كمسلمات وبديهّيات لا سيما المتداول منها بصورة عفوية في المجتمع، فيتم التعامل معها بصورة إجبارية وجعلها واقعا في حياة الطفل، بحيث لا يتم رفضها أو مقاومتها مع الوقت، فيغدو القيام بها فعلاً عادياً رغم آثاره الاجتماعية والنفسية الخطيرة.

يبدو ذلك واضحاً من خلال فرض الوالدين على الابن دراسة الطب أو الهندسة وغيرها من المجالات العلمية، وتجنب المسار المهني لاقتصاره مثلاً على غير المتعلمين، أو لكونه لا يحظى صاحبها بمكانة مرموقة في المجتمع. فيخضع هنا الأبناء لعنف رمزي من خلال أفكار تمرر خلال رحلة التربية. ومثال آخر حول إرغام الطفل على ممارسة رياضة لا يرغب بها، ويتم إقناعه بواسطة جملة من الادعاءات التي يرّوج لها الأهل، والتي تبدو للطفل غير منطقية بعد أن يصبح رجلاً، فيخضع لها بطريقة لا شعورية، غير واعية.

كيف نتجنّب الوقوع في فخّ الحب المشروط؟
ماذا لو كان طفلك كبذرة جاءت في علبة بدون تسمية، عملك هو توفير البيئة الصحيحة والمواد المغذية وسحب الأعشاب الضارة، ولا يمكنك أن تقرر أي نوع من الزهور، ستحصل عليه أو الموسم الذي ستزدهر فيه. في رحلة الأمومة والأبوّة لا بد من الالتفات لبعض الأمور التي تجنبنا الوقوع في فخّ الحبّ المشروط، والتي ستصبح فيما بعد وسيلة غير نافعة في التربية، فتفقد فعاليتها ويصبح السيطرة على الأبناء عملاً شاقاً يصعب التعامل معه.

من الهامّ أن نتقبل أبناءنا، كأن نتقبل شخصياتهم بضعفها وقوتها، بسلبياتها وإيجابياتها، وهذا يستوجب على الآباء الخروج من إطار “التصنيفات” الواهية، والتي تجعل الطفل نسخةً عمّن هو أكثر قوّة أو ذكاءً منه، مما يدفعه للقيام بتصرفات لنيل استحسان الأهل وتوقعاتهم، فيؤدي إلى مشاكل نفسية فيما بعد تجعله يصل لمرحلة كُره الذات.

عدا عن ذلك، معرفة الدوافع الحقيقيّة للقيام بالسلوك، كنوبات الغضب مثلاً، والتي تكون ناتجة عن محاولة إجبار الطفل على القيام بفعل ما، أو اكتشاف أنه غير قادر على فعل شيء قياساً بأقرانه لكونه لا يمتلك المهارات الكافية، أو لأنه مُنع عن فعل شيء كان يريد القيام به. كما أن محاولات فهم السلوك من قبل الطفل ذاته سيساعد المربّي على كيفيّة التعامل معه، لتطبيق الوسيلة المناسبة لذلك. وفي حالة فرض عقوبة ما فإنه من الضروري أن يتم التوضيح للطفل الخطأ الذي ارتكبه، وسبب استحقاقه للعقاب، وكل ذلك في جوّ من الهدوء.

كما يعتبر التعاطف وسيلة مضادة للحب المشروط، والتي تمدّ الطفل بكيان خاص، قابل للاحتواء والاحترام من قبل الأهل، والذي يقوم على فكرة “الإقرار العاطفي” لمشاعر وسلوكيات الأبناء، حيث لا يمكن تجاهلها أو نكرانها أو الاستخفاف بها، مثال: أن يقول الطفل “أنا مستاء جداً لأنني أغضبتك أمي”، الإقرار العاطفي من قبل الأم “سامحتك يا بنيّ، عدني ألا تكررها”. بينما يمثل المشهد التالي دلالة على نكران العاطفة؛ الطفل “أنا مستاء جداً لأنني أغضبتك أمي” ردّ الأم “سأعاقبك كي لا تكرر فعلتك” أو “لو كنت تحبّني لما أغضبتني”.

ولا ننسى أن للغات الحب سحرها، ولا يمكن معرفة لغات الحب الخاصة بالأطفال، إلا من خلال ملاحظة سلوكياتهم، وقد أفرد الكاتب تشابمان في كتابه لغات الحب الخمس، بعض الصفحات للحديث عن لغات الحب لدى الأطفال؛ من بينها كلمات التشجيع والمديح، أو تكريس الوقت بإعطاء الطفل الاهتمام والانتباه الكامل والدخول لعالمه والمشاركة بفعل الأشياء معه، أو تبادل الهدايا ومعرفة ما يرغب باقتنائه من الألعاب، أو الأعمال الخدمية كأن تصلح له دراجته المعطوبة، أو تساعده في مشروع ما يخصه، وآخر لغات الحب الاتصال البدني والتي تنمّي الناحية العاطفية للطفل، كمداعبة شعره أو مسكه من يده أو ضمّه وتقبيله.

وأمام لغات الحب، فإنه من الجميل أن يدرك الوالدان ما هي اللغة المناسبة التي يمكن أن يعبرّا فيها عن حبهما بما يتلاءم مع رغبة الطفل، فبعض الأطفال تتمثل لغة الحب لديهم بالهدايا، والآخر بتكريس الوقت والخروج في نزهة. لذا من الجيد معرفة لغة الحب المناسبة لأطفالنا، فقد يكون شراء هدية للطفل ليس تعبيراً جيداً عن محبته فليست هذه اللغة التي تناسبه، في الوقت الذي تغمره سعادة كبيرة إذ ما حصل على قُبلة أو ضمة.

إباء أبو طه
محررة
ميدان

طفل مصاب بتعسر القراءة ثم مخرج مصاب بعمى الألوان استطاع الوصول بأفلامه لمهرجان “كان”

المخرج الدانماركي نيكولاس ويندنج ريفن

طفولة دنماركية خجولة، ثم مراهقة نيويوركية متمردة، والعودة في مطلع الشباب إلى كوبنهاغن مرة أخرى. تلك الانتقالات لم تكن فقط مكانية، فالتغيير الذي صنعه السفر في فكر وعقل المخرج “نيكولاس ويندنج ريفن” هو ما جعله المخرج الذي هو عليه الآن. الطفل المصاب بالديسلكسيا –تعسر القراءة-  والمخرج المصاب بعمى الألوان الذي استطاع الوصول بأفلامه لمهرجان “كان” واقتنص منه جائزة أفضل مخرج عام 2011. قدم له الجائزة “روبرت دي نيرو” وتصورها البعض كتحية من سائق التاكسي الشهير “ترافيس بيكل” إلى المخرج الذي قدّم سائقًا جديدًا متميزًا في فيلم Drive. ثم مشاركته كعضو تحكيم بدورة المهرجان عام 2014، وأخيرًا مشاركته بالمهرجان العام الماضي بفيلم The Neon Daemon.

طفل مصاب بتعسر القراءة ثم مخرج مصاب بعمى الألوان استطاع الوصول بأفلامه لمهرجان “كان” واقتنص منه جائزة أفضل مخرج عام 2011

 

توم هاردي في مشهد من فيلم Bronson
توم هاردي في مشهد من فيلم Bronson

 

بداية واقعية

في سن الثالثة والعشرين وقع “ريفن” في اختيارٍ حاسم بين دراسته في مدرسة السينما الدنماركية –التي قبلته ضمن عددٍ محدودٍ جدًا- أو التفرغ لصناعة فيلم سينمائي حقيقي دون دراسة، واختار الفيلم. قدّم فيلمه الأول مروّج المخدرات – Pusher كتجربة فريدة في واقعيتها ونافذة على عالم الجريمة في كوبنهاجن. يركض أبطاله في الطرقات وتركض ورائهم كاميراته ليقدم أسبوعًا في حياة مروّج المخدرات “فرانك” والتصاعد الدرامي المثير للتوتر لمصيره.
عاود “ريفن” خوض مغامرة Pusher من جديد بعد ثمانية أعوام بجزئين متتالين جعل محوريهما الشخصيتين الثانويتين من فيلمه الأول. الأعوام الفاصلة بين جزأي الثلاثية الأولين قدم فيهما فيلمًا دنماركيًا واقعيًا آخر بنفس أبطال فيلمه الأول بعنوان النازف – Bleeder، لكن بقصتين مختلفتين. ثم خاض تجربة الإخراج في أمريكا وقدم فيلم الخوف – Fear X الذي تسبب في إفلاسه.
لم تكن أفلامه تشبه كثيراً تلك التي عشق مشاهدتها في مراهقته وشبابه بنيويورك. سبع سنوات قضاها في مانهاتن من عمر العاشرة، ولكونه يتسم بالخجل والهدوء، كان التمرد الوحيد القادر على ممارسته هو مشاهدة أفلام الرعب والعنف الرخيصة كأفلام المخرج “داريو آرجينتو”. تلك الأفلام الغارقة في الدماء والأشلاء زرعت فكرة العنف بداخله، وانتظرت سنواتٍ ليعالجها ويقدم رؤيته الخاصة لها فيضفي المزيد من الغموض والجودة الفنية على الدم ومشاهد القتل التي تتضمنها أفلامه.

رايان جوسلينج وبرايان كرانستون في مشهد من فيلم Driv
رايان جوسلينج وبرايان كرانستون في مشهد من فيلم Drive

أبطال أم مجرمون؟

الشخصيات الرئيسية التي يقدمها “ريفن” كأبطال لأعماله، لا تمثل صورة البطل الاعتيادية في السينما. هما في الأغلب مجرمون، أو مختلون، أو أشخاصٌ اضطرتهم الظروف لاستخدام العنف كلٍ لأسبابه الخاصة. هم ملائكة الانتقام الواقفون في المنطقة الرمادية المشتركة بين الشر والخير، وقد يميلون أكثر للشر. يتكرر الأمر بين أكثرهم. أولهم هو “برونسون” – Bronson الذي كتبه كمعالجة درامية لقصة حقيقية لواحدٍ من أكثر مجرمي بريطانيا عنفًا وإثارة للشغب، والذي قضى أغلب حياته في السجن الانفرادي. يتتبع الفيلم حياة “مايكل بيترسن” في سردٍ فريد يمزج جنون تحوّله إلى “تشارلز برونسون”، بجنون “ريفن” وممثله “توم هاردي”، وبحبكة تجعله واقفًا يحكي على المسرح للمشاهدين، يبدل بين ملابسه، ولا يخجل من أن يتخطى حدود العنف أحيانًا إلى الرعب، دون قطرة دماء واحدة، وبتحوله في لحظة إلى مهرج كوميدي يثير الخوف والقشعريرة أكثر مما يثير الضحكات. الكثير من الغرور والخلل النفسي ونزعة مدمرة للوصول إلى الشهرة، حتى لو كانت شهرته عبر العنف وتدمير الذات.

على النقيض من نزعات “برونسون” للشهرة وجنونه الواضح، نجد بطل فيلم قُد – Drive الذي يعمل كسائق هروب للصوص ورجال العصابات ليلاً، وممثلاً بديلاً في مشاهد القيادة الخطرة نهارًا، إلى جانب عمله في ورشة لإصلاح السيارات. يتسم السائق –الذي لا نعرف اسمه- بالهدوء الشديد والثبات النفسي الذي جعله متميزًا في عمله. لا يتحدث إلا فيما ندر وكردٍ على سؤال مباشر. ويفاجئنا بالعنف غير المتوقع، وباستخدامه لهذا العنف فيما يراه دفاعًا عن الأبرياء، أو انتقامًا لإفساد حياته الهادئة. يرتدي سترة من الستان الأبيض اللامع طُرز عليه عقربٌ عملاق ذهبي اللون. هذا الاستخدام الخاص للملابس يضفي المزيد من الأيقونية على شخصيته الغامضة.
صُور الفيلم في طرقات “لوس أنجلوس” التي لم يكن “ريفن” يعرف عنها شئ قبيل عمله في الفيلم لكنه خاض المغامرة بمساعدة بطله “رايان جوسلينج”، والذي رشحه منذ البداية لاخرج الفيلم. لاحقًا سيخوضان مغامرة أخرى في تايلاند لتصوير فيلم Only God Forgives.

 

أيقونية القصص المصورة

في عددٍ من أفلامه، ربما الأخيرة تحديدًا، استطاع “ريفن” أن يحدد لنفسه منطقته الخاصة التي يكتب ويخرج فيها. من السهل أن تميز أفلامه سواءًا بألوانها وموسيقاها، أو بأبطالها وطبيعة الشخصيات والحكاية المقدمة. تميز الألوان يأتي من اصابته بعمى الألوان، حيث لا يرى الأطياف المتوسطة، ما جعله يلجأ في أكثر الأوقات إلى الألوان الزاهية القوية، ويعتمد على التناقض القوي بينها، يساعده بالطبع فريق التصوير الذي يرى الألوان على حقيقته، ويصل بها للنتيجة التي يبحث عنها “ريفن”.

في فيلم “الرب وحده من يغفر” – Only God Forgives ضابط الشرطة التايلاندي “تشانج” لم يجد مهنته كفاية للاقتصاص من المجرمين، فتحوّل ليلاً إلى ملاك انتقام يقتص على طريقته، يستل سيفه ويقطع الأيدي ويطيح بالرقاب. يتقاطع خطه الدرامي مع الأمريكي “جوليان” الذي قتل أخاه بتحريضٍ من “تشانج”. تطالبه والدته بالانتقام، ويحركه حب وارتباط مخيف بها لتنفيذ رغبتها، رغم قناعته باستحقاق أخيه للقتل. تتسع حلقات الانتقام والمطاردات الغارقة في الكثير من الدماء والعنف الذي يمارسه أبطال الفيلم بأيديهم العارية، على خلفية موسيقية مثيرة، واستخدام أقل قدر من الحوار أو السرد الصوتي، ليترك “ريفن” المساحات واسعة ليتماهى مشاهديه مع أبطاله وعنفهم.
استخدام الأزرق والأحمر الزاهيان يجعلان المشاهدة حادة ومقلقة، ويثيران قدرًا متناقضًا من المشاعر في اللحظة ذاتها. تقف “جيس” بطلة فيلم “شيطانة النيون” The Neon Daemon خائفة إلى حد الرعب في إضاءة حمراء مقلقة، وعلى الجانب الآخر من المشهد تقف عارضة أزياء منافسة لها في إضاءة زرقاء هادئة تحمل سكينًا عملاقًا وتستعد للهجوم على “جيس” في ثبات وإصرار. المشهد يبدو كرسوم القصص المصورة، والفيلم بموضوعه تناسبه الألوان والإضاءات المصطنعة والأداء التمثيلي الزجاجي بعض الشئ، فبطلات الفيلم يعملن كعارضات أزياء، الجمال والتناسق هو سلعتهن. تفتخر إحداهن بجمالها الطبيعي المثالي، وتتتباهى أخرى بعمليات التجميل التي أقدمت عليها مؤخرًا. غواية الجمال هي نواة الفيلم، وكيف يحوّل فتيات بريئات إلى شيطانات تبعن أرواحهن لأجل عرضٍ هام أو جلسة تصوير خاصة.

الموسيقى وأغان البوب

كالعديد من صناع السينما، يستخدم “ريفن” مكتبته الموسيقية في أفلامه. يهوى التوفيق بين أغانيه المفضلة وبين مشاهده لتتوائم الصورة والصوت في مشاهده الهامة، وقد يستمع لعشرات الألبومات باحثًا عن أغنية واحدة تحقق له لحظة التنوير التي يبحث عنها. يستغني بالأغنية عن الحوار أحيانًا، وقد يستخدم أغنية هادئة في مشهد شديد العنف كما في أول فيلم “برونسون” أو مشهد المصعد في فيلم “قُد”.
الأغاني التي يختارها ليست في العادة مألوفة للأذن، والاختيارات في الغالب فريدة سواء كانت لفرقٍ ومغنين قدامى أو جدد. لا يعني هذا أن الفيلم لا يحتوي سوى تلك الأغاني، لكن إضافة إلى اختياراته الغنائية، فإنه استعان أكثر من مرة بالمؤلف الموسيقي “كليف مارتينيز” ليقدم له مزجًا من موسيقى الإلكترو التصاعدية الحادة في نغماتها، والتي في امتزاجها بصورة “ريفن” وألوانه، تمنح الفيلم مزيدًا من إحساس القصص المصورة وأجواء الأفلام التجريبية.
قد لا يكون “نيكولاس ويندنج ريفن” قد صنع ما يمكن اعتباره علامة سينمائية مميزة حتى الآن، لكنه بالتأكيد يمتلك كل ما يجعله مخرجًا سينمائيًا مميزًا، ففي عمر السابعة والأربعين قدم المخرج الدنماركي عشرة أفلام حتى الآن، ويخوض تجربة الإخراج للتلفزيون. ببصمته المميزة في رواية أفلامه بصريًا، ينتظر محبو السينما جديده دومًا واثقين أنه سيمتعهم بشكلٍ أو بآخر.

 

منتزه العلوم

تنفيذا لبرنامجها السنوي تنظم باذن االله جمعية أطفال علماء وهي جمعية علمية تعنى بتشجيع الطفل على البحث و الاستكشاف العلمي في عطلة الربيع مجموعة من البرامج العلمية الترفيهية للطفل تحت عنوان “ربيع العلوم 2014” احدى هاته البرامج و التي تعتبر من البرامج الفريدة و الواعدة منتزه العلوم و هو برنامج علمي صحي متخصص في أهمية الخضروات في بناء جسم الطفل والغذاء الصحي و بمشاركة ثلة من الجمعيات المتخصصة بمنتزه فرحات حشاد رادس يوم 20 مارس 2014 – مديرة البرنامج المدربة هالة بكاري – هاتف 21273244