العقاب بالحب.. مساومة الطفل بالعاطفة

   "مفتاح عائلة متماسكة قريبة هو الحب غير المشروط" (فيليبس)

“قبل أن أتزوج كان لدي ست نظريات في تربية الأطفال، أما الآن فعندي ستة أطفال وليس عندي نظريات لهم”

(جان جاك روسو)

مشهدٌ يتكرر في غالبية البيوت، تهددُ فيه الأم طفلها الذي لوّث ملابسه بالطين؛ ليس بحرمانه من اللعبّ ولا حتى بالذهاب إلى الحديقة، أو تناول المعكرونة التي يفضلها، بل تهدده “بالحب”. وعادةً يكون هذا التهديد بتداول الوالدين عبارات “إذا حصلت على علامات عالية سأحبك! إذا رتّبت غرفتك سأحبك! إذا كنت ولداً مهذّباً سأحبك!”

ماذا لو تحوّل الحب من مشاعر إلى وسيلة نستخدمها ضمن معايير وشروط خاصة، ماذا لو أصبح الحبّ هديةً لا يمكن شراؤها ولا كسبها؛ تخيل أننا نمارس ذلك بطريقةٍ لا شعوريةٍ مع أبنائنا، نمارسهُ في مواقفَ متعددة؛ في البيت والسوق والشارع.

التطور العاطفي للطفل يبدأ منذ لحظة الولادة، من خلال بحثه عمّن يقدم له الرعاية والاهتمام، والذي يندرج من ضمنه منح الحب والأمان للطفل. فالعلاقة الحميمية في مراحل الطفولة المبكرة لها تبعاتها النفسية والعاطفية التي ترافق الصغير إلى أن يصبح رجلاً، وأي هشاشة فيها قد يتبعها مشاكل سلوكية ونفسية، لاسيما المتعلق منها بالثقة بالذات والتواصل وإقامة العلاقات مع الآخرين.

لا يميّز الأطفال بين فكرة “رفض” السلوك من قبل الأهل، وفكرة “حجب” الحب بسبب هذا السلوك، فالطفل لا تصله سوى رسالة واحدة “أبي لم يعد يحبني” أو “لم تعد أمي تهتم بي”

وينطبق الأمر على كل الأفكار والمعتقدات والمشاعر التي نمررها لأبنائنا في مرحلة الطفولة، والتي ستصبح جزءًا منهم فيما بعد، فمعظم الأفكار والسلوكيات التي تمرر من خلال التربية تبقى مرافقة لهم طيلة الحياة، وهي جزء لا يتجزأ من طريقة رؤيتهم لأنفسهم وللواقع فيما بعد. لذا كيف سيبدو هذا الإنسان بعد 15 عامًا، بعد أن يكون رجلاً معتمدا على ذاته؟ وفي هذا السياق نستحضر دراسة أفادت أن “الإنسان يقضي من 30 -40 سنة من عمره وهو يحاول التغلّب على ما حمل من مشكلات وانطباعات خاطئة ومفاهيم سيئة في السنوات الخمس الأولى من عمره”

متى يلجأ الوالدان لــ”حجب الحب” عن الطفل؟

   “مفتاح عائلة متماسكة قريبة هو الحب غير المشروط” (فيليبس)

قد يتوجه الأهل لاستخدام أساليب الحبّ المشروط كجزء من هيمنة الوالدين التي تُفرض على الأبناء، والتي يجد فيها الوالدان وسيلة للسيطرة، وطريقةً لتعزيز التوافق في المشاعر والسلوكيات بينهم وبين أبنائهم، والتي تلعب من -وجهة نظرهم- دورًا هامًا في غرس القيم والمعتقدات، وينطبق ذلك على كل ما له علاقة من مفاهيم عامّة كالإنجاز، والنجاح، والتفوق وغيرها. وهنا نطرح سؤالًا: متى يتجّه الوالدان لاستخدام صيغ الحب المشروط؟ وهل استخدامها كوسيلة كفيلة لتعديل السلوك أو تهذيبه؟ وهل هي جزء من منظومة الثواب والعقاب؟

يمثل عصيان الطفل شكلًا من أشكال الرفض والتمرد من -وجهة نظر الأهل-، كما هو الحال مع ارتكاب تصرفٍ خاطئ يندرج ضمن السلوكيات التي ينبغي إصلاحها وتقويمها، وفي كلتا الحالتين يلجأ الأهل لاشتراط إعطاء الحب، أو حتى بالأحرى “حجب” الحب. ولكن هل يمكنك فعليًا أن تحجب حبّك عن طفلك؟ وهل بالإمكان “تعليق” هذا الحب ولو بشكل استثنائي؟

عادةً لا يميّز الأطفال بين فكرة “رفض” السلوك من قبل الأهل، وفكرة “حجب” الحب بسبب هذا السلوك، فالطفل لا تصله سوى رسالة واحدة “أبي لم يعد يحبني” أو “لم تعد أمي تهتم بي”. لذا فإن خبراء تربية الأطفال يجدون أنه من الضروري بعد كل سلوك خاطئ يصدر عن الطفل، أن يعبِّر الآباء والأمهات عن حُبِّهم لأطفالهم، فأن يكون للأفعال عواقبٌ فهذا جيد، لكن بالتأكيد لا تصل إلى “حجب” الحب، فالطفل يتغير بلا شروط ولا اشتراطات.

فيما يرى آباء آخرون بأن الحب المشروط ليس أداة للعقاب أو لتهذيب السلوك، بقدر ما هو وسيلة للتحفيز ودفع الأبناء نحو تطويرهم والارتقاء بهم، كأن يكونوا متفوقين في دراستهم الأكاديميّة أو في رياضةٍ ما أو في مهنة يمارسونها؛ والتي تشكل فيما بعد عبئاً على الأبناء، مما تخلق نوعاً من الهشاشة العاطفية في العلاقة مع الوالدين. يقول الكاتب الأميركي بروكس في مقال حول فوائد الحب غير المشروط “الآباء يريدون بشدة السعادة لأطفالهم، ويرغبون بطبيعة الحال في توجيههم نحو النجاح بكل ما في وسعهم، لكن ضغوط التميز يمكن أن تضع هذا الحب في بعض الأحيان على أساس زائف، لأنه يقوم على المواهب والإنجاز، ولكن من المفترض أن الحب الأبوي أن يكون غافلاً عن الإنجاز”

الحبّ المشروط عنفٌ من نوعٍ آخر

يهدف العنف المادّي لإلحاق الضرر بالآخرين جسدياً ونفسياً وعضوياً، فيما هناك نوعٌ آخر من العنف يكون غير محسوس، هو عنف لا يسبب ألماً جسدياً ولا يترك ندوباً وجروحاً يمكن ملاحظتها، وإنما هو عنف يكون من خلال استخدام اللغةّ أو الأفكار، والتي يتم من خلالها فرض الهيمنة والسيطرة على الآخرين دون إدراكهم لذلك. ويعرف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو الذي أنشأ مصطلح العنف الرمزي بأنه: “عنف لطيف، عذب، غير محسوس، وهو غير مرئي للضحايا، يمارس عبر الطرائق والوسائل الرمزية الخالصة، أي عبر التواصل، وتلقين المعرفة”

ويحقق العنف الرمزي بالنسبة لبورديو نتائج أحسن قياساً مما يحققه العنف السياسي المباشر، ففي العنف الرمزي يمكننا قبول العديد من الأفكار والمعتقدات كمسلّمات وقيم تُفرض علينا بتلقائية وسهولة دون أن نشعر بها[6]. يعتبر الحب المشروط شكل من أشكال العنف الرمزي المستخدم من قبل الأهل، والذي يتمثل بالمبالغة في مراقبة الطفل والتعليقات المستمرة على سلوكه، حتى وإن كانت هذه التعليقات إيجابية، مما تشعره بالانزعاج عدا عن شعوره بالرقابة المستمرة، مما يؤدي إلى زعزعة ثقته بنفسه، أو إطلاق الألقاب عليه أو حتى تصنيفه ضمن أوصاف الغباء أو الكسل.

ويتضح العنف الرمزي أيضاً، من خلال بناء حدود وقواعد يتصرف الطفل في نطاقها، كأن تكون بعض الخطوط الحمراء التي يُمنع تجاوزها، والتي تدفع الآباء فيما بعد باللجوء للحب المشروط كوسيلة للتأديب والعقاب، أو حتى تمرير بعض الأفكار كمسلمات وبديهّيات لا سيما المتداول منها بصورة عفوية في المجتمع، فيتم التعامل معها بصورة إجبارية وجعلها واقعا في حياة الطفل، بحيث لا يتم رفضها أو مقاومتها مع الوقت، فيغدو القيام بها فعلاً عادياً رغم آثاره الاجتماعية والنفسية الخطيرة.

يبدو ذلك واضحاً من خلال فرض الوالدين على الابن دراسة الطب أو الهندسة وغيرها من المجالات العلمية، وتجنب المسار المهني لاقتصاره مثلاً على غير المتعلمين، أو لكونه لا يحظى صاحبها بمكانة مرموقة في المجتمع. فيخضع هنا الأبناء لعنف رمزي من خلال أفكار تمرر خلال رحلة التربية. ومثال آخر حول إرغام الطفل على ممارسة رياضة لا يرغب بها، ويتم إقناعه بواسطة جملة من الادعاءات التي يرّوج لها الأهل، والتي تبدو للطفل غير منطقية بعد أن يصبح رجلاً، فيخضع لها بطريقة لا شعورية، غير واعية.

كيف نتجنّب الوقوع في فخّ الحب المشروط؟
ماذا لو كان طفلك كبذرة جاءت في علبة بدون تسمية، عملك هو توفير البيئة الصحيحة والمواد المغذية وسحب الأعشاب الضارة، ولا يمكنك أن تقرر أي نوع من الزهور، ستحصل عليه أو الموسم الذي ستزدهر فيه. في رحلة الأمومة والأبوّة لا بد من الالتفات لبعض الأمور التي تجنبنا الوقوع في فخّ الحبّ المشروط، والتي ستصبح فيما بعد وسيلة غير نافعة في التربية، فتفقد فعاليتها ويصبح السيطرة على الأبناء عملاً شاقاً يصعب التعامل معه.

من الهامّ أن نتقبل أبناءنا، كأن نتقبل شخصياتهم بضعفها وقوتها، بسلبياتها وإيجابياتها، وهذا يستوجب على الآباء الخروج من إطار “التصنيفات” الواهية، والتي تجعل الطفل نسخةً عمّن هو أكثر قوّة أو ذكاءً منه، مما يدفعه للقيام بتصرفات لنيل استحسان الأهل وتوقعاتهم، فيؤدي إلى مشاكل نفسية فيما بعد تجعله يصل لمرحلة كُره الذات.

عدا عن ذلك، معرفة الدوافع الحقيقيّة للقيام بالسلوك، كنوبات الغضب مثلاً، والتي تكون ناتجة عن محاولة إجبار الطفل على القيام بفعل ما، أو اكتشاف أنه غير قادر على فعل شيء قياساً بأقرانه لكونه لا يمتلك المهارات الكافية، أو لأنه مُنع عن فعل شيء كان يريد القيام به. كما أن محاولات فهم السلوك من قبل الطفل ذاته سيساعد المربّي على كيفيّة التعامل معه، لتطبيق الوسيلة المناسبة لذلك. وفي حالة فرض عقوبة ما فإنه من الضروري أن يتم التوضيح للطفل الخطأ الذي ارتكبه، وسبب استحقاقه للعقاب، وكل ذلك في جوّ من الهدوء.

كما يعتبر التعاطف وسيلة مضادة للحب المشروط، والتي تمدّ الطفل بكيان خاص، قابل للاحتواء والاحترام من قبل الأهل، والذي يقوم على فكرة “الإقرار العاطفي” لمشاعر وسلوكيات الأبناء، حيث لا يمكن تجاهلها أو نكرانها أو الاستخفاف بها، مثال: أن يقول الطفل “أنا مستاء جداً لأنني أغضبتك أمي”، الإقرار العاطفي من قبل الأم “سامحتك يا بنيّ، عدني ألا تكررها”. بينما يمثل المشهد التالي دلالة على نكران العاطفة؛ الطفل “أنا مستاء جداً لأنني أغضبتك أمي” ردّ الأم “سأعاقبك كي لا تكرر فعلتك” أو “لو كنت تحبّني لما أغضبتني”.

ولا ننسى أن للغات الحب سحرها، ولا يمكن معرفة لغات الحب الخاصة بالأطفال، إلا من خلال ملاحظة سلوكياتهم، وقد أفرد الكاتب تشابمان في كتابه لغات الحب الخمس، بعض الصفحات للحديث عن لغات الحب لدى الأطفال؛ من بينها كلمات التشجيع والمديح، أو تكريس الوقت بإعطاء الطفل الاهتمام والانتباه الكامل والدخول لعالمه والمشاركة بفعل الأشياء معه، أو تبادل الهدايا ومعرفة ما يرغب باقتنائه من الألعاب، أو الأعمال الخدمية كأن تصلح له دراجته المعطوبة، أو تساعده في مشروع ما يخصه، وآخر لغات الحب الاتصال البدني والتي تنمّي الناحية العاطفية للطفل، كمداعبة شعره أو مسكه من يده أو ضمّه وتقبيله.

وأمام لغات الحب، فإنه من الجميل أن يدرك الوالدان ما هي اللغة المناسبة التي يمكن أن يعبرّا فيها عن حبهما بما يتلاءم مع رغبة الطفل، فبعض الأطفال تتمثل لغة الحب لديهم بالهدايا، والآخر بتكريس الوقت والخروج في نزهة. لذا من الجيد معرفة لغة الحب المناسبة لأطفالنا، فقد يكون شراء هدية للطفل ليس تعبيراً جيداً عن محبته فليست هذه اللغة التي تناسبه، في الوقت الذي تغمره سعادة كبيرة إذ ما حصل على قُبلة أو ضمة.

إباء أبو طه
محررة
ميدان

حديث الاولاد مع انفسهم

ما دور حديث الأولاد مع أنفسهم في بناء شخصيتهم؟ وهل هذا الحديث مؤشر الى الذكاء أم إلى شيء آخر

جميع الناس بما فيهم الراشدون يتحدثون الى أنفسهم. الفرق ان الكبار يتحدثون إلى انفسهم في الخفاء بينما الأولاد يتحدثون إلى أنفسهم في العلن.

يشير عالم النفس بيجه ان حديث الأولاد مع انفسهم مرتبط بنموهم ونضوجهم. فهم يفتقرون إلى الى تشكيل فن المحادثة ويحاولون بهذه الطريقة ان يحلوا هذه المشكلة. يسمي بيجه حديث الأولاد مع النفس ” الحديث الإناني”

حديث الاولاد مع انفسهم والنمو
ومؤخرا طرح الباحثون سؤالاً : هل هناك ارتباط ما بين الحديث مع الذات والنمو؟ وخلصوا الى نتائج في هذا المضمار. وجدوا ان الأولاد يتحدثون مع الآخرين أكثر مما يتكلمون مع أنفسهم. والأولاد ما بين عمر اربع وثماني سنوات يتحدثون الى أنفسهم بنسبة ٢١ بالمئة. وهذا الحديث مع الذات له اسبابه وأغراضه

يرى الباحث الروسي ليف فيكوتسكي أن حديث الأولاد مع الذات هو انعكاس للحديث مع المجتمع. ويعتقد أن هذا الحديث مع النفس جزء هام في نمو الولد.والأولاد برأيه يتكلمون مع انفسهم لسببين: اولاً ليرسخوا ما يعرفونه مسبقاً وثانياً ليعلموا أنفسهم أكثر

هل الحديث مع الذات دليل ذكاء 
تشير الدراسات الى ان الحديث مع الذات يساعد الولد على تكون بعض مهمات النمو. ولكن هذا التصرف لا يرحب بح معظم المدارس .
يبدو ان الذكاء عامل وراء هذا الحديث مع الذات. فالولد الذكي يقضي معظم الوقت بالتحدث مع نفسه . ان قمة حديث الولد مع ذاته هو عمر الأربع والسنوات وبعد الثماني سنوات تنزل النسبة
وأشار باحثون آخرون الى الأولاد يتحدثون مع أنفسهم ليعبروا في الخفاء عن مفاهيم يريدون ان يصبحوا بارعين فيها وهذا يفسر لماذ نرى الأولاد الأكبر سناً أهدأ
والمثير للاهتمام ان الحديث مع الذات مرتبط بجودة الأداء لا سيما عند الأولاد الأذكياء
اذن الأولاد يتكلمون مع انفسهم للتعبير عن مشاعرهم ولفهم البيئة التي يعيشون فيها ولتطوير لغتهم وتنمية القدرة الذاتية على التطور والتعبير عن أفكارهم