البحث الإجرائي ودوره في تحسين الممارسات المهنية للمعلمين

يعتبر البحث الإجرائي Action Research من أبرز الاتجاهات الحديثة للتطوير المهني للمعلمين، وذلك لأنه يساعد المعلم على التغلب على المشكلات التي تواجهه داخل الفصل الدراسي. ويطلق عليه البحث الموقفي أو البحث الموجه للعمل Action Research  وهو عبارة عن بحث علمي، لكنه يمثل نمطا للبحوث التطبيقية التي تستهدف اختبار الفروض والنظريات واستخدام النتائج المترتبة عليها في حل المشكلات العملية.

ويُعرّفه عبيدات وآخرون (2012) بأنه “نوع من الأبحاث التي يقوم بها شخص يواجه مشكلات معينة في ميدان عمله ويضع خطة لحل هذه المشكلات، فهو أسلوب بحث يعتمد على مشكلات مباشرة تتطلب إيجاد حل لها”. ووفقاً لمدبولي (2002)، فإن البحث الإجرائي يتيح للمعلم فرصة تعديل الأطر الفكرية المؤطرة للنظريات التربوية، وقد يصل الأمر إلى تعديل مساقات تعليمية في ضوء نتائج البحوث التي يجريها المعلمون في الميدان وهو ما يساعد على ربط الممارسة بالنظرية. ويوضح أبيل (Abell, 2007) أنه عند إضافة كلمة إجراء Action لوصف البحث المقدم من المعلم، فإن هذا التضمين يعني حدوث عملية استقصاء داخل الصف الدراسي، وهو يعني أن المعلم يأخذ في ضوء هذا البحث إجراء من الممكن أن يحسن من طريقة تدريسه. ويبدو أن هذا من أهم ما يميز البحث الإجرائي عن البحث النظري، حيث يتم التعامل مباشرة مع الموقف أو المشكلة التي تواجه المعلم داخل الصف.

وتتمثل أهمية البحث الإجرائي للمعملين فيما يأتي:

  1. أن البحث الإجرائي يرتبط بالمشكلات التي يواجهها المعلم كباحث ويعطيه دافعية قوية للتفكير والعمل والرغبة المستمرة في الوصول إلى نتائج محددة.
  2. أن المعلم عندما يقوم بالبحث الإجرائي ويجد حلولا للمشكلات التي يواجهها يشعر بتحسن أدائه وزيادة قدرته على العمل والإنتاج.
  3. تزود الأبحاث الإجرائية المعلمين بأساليب موضوعية علمية لمواجهة مشكلاتهم بدلاً من اعتمادهم على المحاولة والخطأ أو على الخبرة الشخصية.

وهذا يعني أن البحث الإجرائي يحفز المسؤولية الذاتية للمعلم، ويطور مهاراته من خلال بحث وتحليل المشكلات الحقيقية التي تواجهه داخل الصف، وهو ما يقود إلى تحسن أدائه ودافعيته تجاه مهنته. 

وهناك نمطين للبحث الإجرائي، هما:

البحث الإجرائي التقليدي Traditional Action Research: وهو البحث الذي يقوم به المعلم منفرداً بهدف دراسة مشكلة معينة في الحقل التربوي، ووضع الحلول لها، حيث يسلك المعلم باعتباره باحثاً إجرائياً يعاين ممارساته، ويتخذ قراراً بشأن تطويرها، وبشأن تغيير استراتيجياته التدريسية.

البحث الإجرائي التشاركي Participatory Action Research: وهو عبارة عن بحث يقوم على الشراكات والتعاون بين المعلمين أنفسهم وبينهم وبين المعلمين والخبراء والعلماء والأكاديميين من داخل المدرسة وخارجها.

ولكي يحقق البحث الإجرائي أهدافه، هناك عدد من المعايير التي ينبغي التحقق من توافرها (مدبولي،2002):

  1. الدافعية الذاتية: أي أن يكون الحافز لإجراء البحث نابعاً من المعلمين نتيجة إحساسهم بالمسؤولية تجاه ممارساتهم التدريسية.
  2. النظامية والمنهجية: أن تُمارس البحوث الإجرائية وفقاً للمنهجية العلمية والاستقصاء العلمي، مع قدر من المرونة والابتكار من قبل المعلمين، وأن تصبح البحوث جزءاً من النظام المدرسي وعنصراً مهماً من عناصر الممارسة المهنية للمعلمين.
  3. التأمل والوعي: أن يفهم المعلمون ممارساتهم القائمة ويقوموا بتأمل نتائجها وربطها بعواملها المحركة وتطويرها وتعديل ما وراءها من معارف نظرية واتخاذ القرارات المناسبة تجاهها.
  4. التناوب مع الممارسة: أي أن العلاقة دائرية ومتصلة بين الممارسة العلمية والبحث الإجرائي، فهي لا تنتهي بالتوصل إلى فهم الظواهر وتعديل الممارسات بل تؤدي لمزيد من البحث للقيام بالممارسات الجديدة واختبارها مما يضفي عليها علاقة تتسم بالتجدد والاستمرارية.

وقد اهتمت العديد من الدراسات باتجاه التنمية المهنية للمعلمين من خلال البحث الإجرائي بنوعيه التقليدي والتشاركي، حيث قام كل من كوكس و أولسون (Cox & Olson, 1996) بدراسة هدفت إلى وضع تصور لتدريب المعلمين على خطوات البحث العلمي لمساعدتهم على المشاركة الفعلية مع الباحثين من الجامعات والمؤسسات البحثية الأخرى في دراسة المشكلات التعليمية. وتم تدريب عينة من المعلمين في ولاية واشنطون “Washington” لمدة ثلاثة أشهر على خطوات البحث العلمي من خلال حل مشكلات تعليمية وإدارية في المدارس. وبعد انتهاء التدريب، تم استطلاع آراء المعلمين حول مدى استفادتهم من التدريب، فأظهرت النتائج أن المعلمين قد تحسنت اتجاهاتهم نحو استخدام البحث العلمي في حل مشكلات التلاميذ، وزيادة قدراتهم ومهاراتهم البحثية.  

كما قام هينسون (Henson, 2001) بدراسة استهدفت التعرف على تأثير مشاركة المعلمين في بحوث المعلمين التشاركية التي تنفذها بعض المدارس بولاية تكساس “Texas” على تمكين المعلمين وتطوير فعاليتهم الذاتية. ونُفذ البرنامج في إحدى مدارس التعليم البديل لمدة عام دراسي، حيث وضحت النتائج ارتفاع مستوى الفعالية الذاتية للمعلمين، وزيادة التعاون بين المعلمين، وشعورهم بالمناخ الإيجابي للمدرسة؛ وهو ما يؤكد أن البحوث التشاركية مع باحثين أو معلمين آخرين يزيد من معارفهم وخبراتهم وثقتهم بأنفسهم. 

وقام مدبولي (2002) بدراسة هدفت إلى التعرف على طبيعة العلاقة بين ممارسة المعلمين للبحوث الإجرائية وبين استمرارهم في النمو المهني، كما هدفت إلى رصد وتحديد دور المعلم كباحث ضمن الأدوار المتعددة التي يدركها المعلمون، والتي توجه ممارساته المهنية. وتوصل البحث إلى أن البحث الإجرائي يحتل من حيث مفهومه وممارسته موقعاً متراجعاً على المستوى الشخصي لدى أغلب المعلمين. كما أبدت العينة توقعات عالية بشأن قدرتها على ممارسة البحث الإجرائي، وأظهرت أن المعنى التقليدي لمفهوم التدريب أثناء الخدمة هو الراسخ في وعي المعلمين. 

ينبغي أن تصمم برامج تعلم معلمي العلوم في الطبيعة لتكون فاعلة وذات أثر. 

كما أجرت ولكتس (Willcuts, 2009) دراسة هدفت إلى استكشاف تجارب عشرة من معلمي العلوم في المدارس المتوسطة المشاركة في برنامج شراكة بين العلماء والمعلمين في مختبر وطني لوزارة الطاقة بواشنطن “Washington” لمدة ثلاث سنوات، وقياس أثر البرنامج في تنمية قدراتهم المهنية، وتحسين برنامج الشراكة. ووضحت النتائج أن البحث التشاركي بين المعلمين والعلماء، وأخصائيي تعليم العلوم بوصفهم باحثين مشاركين في المشروع، يحدد خمسة عناصر حاسمة لنجاح التنمية المهنية لمعلمي العلوم وهي:

  1. أن الشراكات بين العلماء والمعلمين تعتبر إسهاما فريداً للتنمية المهنية للمعلمين والتي لا تتكرر في أشكال أخرى لتدريب المعلمين.
  2. يعتبر دور أخصائيي تعليم العلوم فاعلاً في تيسير التعاون بين العلماء والمعلمين وهو دور مؤثر على جميع جوانب التنمية المهنية. 
  3. هناك فروق بين المعلمين في الفصول الدراسية كما أن هناك فروقاً في مستوى تعلم المعلمين داخل التجربة.
  4. ينبغي أن تصمم برامج تعلم معلمي العلوم في الطبيعة لتكون فاعلة وذات أثر. 
  5. يجب التأكيد على مبادئ طبيعة العلم صراحة وأن ينظر إليها وفهمها من قبل المعلمين.

وتبرز البحوث دور البحث الإجرائي في تحسين ممارسات المعلمين، سواء على مستوى الأبحاث الفردية أو الأبحاث التشاركية، فهو يحقق تفاعل المعلمين الحقيقي مع قضاياهم المهنية اليومية، كما تبرز أهميته بصورة أكبر لدى معلمي العلوم، إذ يتيح لهم مواجهة قضايا ومشكلات العلوم وفنيات تعليمها وتعلمها بصورة مباشرة وحقيقية.

صاحبة المقال : د. بارعه بهجت خجا

المراجع:

– عبيدات، ذوقان؛ عبد الحق، كايد؛ عدس، عبد الرحمن. (2012). البحث العلمي مفهومه وأدواته، ط 14، عمان، دار الفكر.
– مدبولي، محمد عبدالخالق. (2002). التنمية المهنية للمعلمين: الاتجاهات المعاصرة المداخل والاستراتيجيات، الامارات العربية المتحدة، العين، دار الكتاب الجامعي.

– Abell, Sandra K. (2007). Inquiring into Science Teaching and Learning, Science and children, ProQuest, 45, PP 64-65.
– Cox, A. & Olson, J. (1996). Empowering Teachers as Researchers. ERIC. ED.403141. 
– Henson, D. (2001). The Effect of Participation in Teacher Research Professional Development the Annual Meeting of Mid-South Educational Research Association. November 1-16. ERIC Document Reproduction Service. ED.467380. 
– Willcuts, Meredith Harris. (2009). Scientist-Teacher Partnerships as Professional Development: An Action Research Study, Pacific Northwest, National Laboratory, Prepared for the U.S. Department of Energy, under Contract DE-AC05-76RL01830.

تعديل سلوك الطفل دون أن منعه

إذا أقدم ابنك على فعل خاطئ فبدل أن تمنعه بين له مساوئ ذلك الفعل الخاطئ، واتركه هو يختار التوقف عن خطئه.
إن الفعل أو الترك إذا كان ذاتيًا وعن قناعة، كان أبلغ، وكانت المحافظة عليه أدوم.
تأمل هذا الحديث ! روى البخاري عن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال : (يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى). قال حكيم: فقلت يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا فقال عمر : إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه . فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله حتى توفي. معنى يرزأ: يسأل.(صحيح البخاري / رقم : 2750)
نلاحظ أن الرسول لم يطلب من حكيم بن حزام ترك السؤال صراحة، بل بيّن له مساوئ المسألة، وترك له اختيار التوقف عنها.
مثال من الواقع :
خرج من منزله ووجد ابنه يلعب الكرة في الشارع أمام بيت الجيران، وهو يعلم جيدًا مدى خطورة اللعب في الشارع الذي تمر منه السيارات، وكمية الأذى الذي يلحق بالجيران جراء هذا اللعب، فبدل أن ينزع الكرة من يد ابنه بالقوة ويزجره على ذلك أجرى معه هذا الحوار:
بُني! لقد كنت أعشق لعب الكرة عندما كنت صبيًا مثلك وما زلت أحب ذلك، ولكن تعلم مدى خطورة اللعب في الشارع، وكمية الأذى الذي يحدثه هذا اللعب بالجيران و المارة، وأنا أعلم أنك لا تود إحداث أي نوع من الضرر؛ إن هناك أولادًا آخرين لو رأوك تلعب هنا لتجمعوا حولك يريدون اللعب وهذا يعرضهم للخطر أيضًا ويزيد من الضوضاء والإزعاج لبيوت الجيران، ثم إنكم ربما تعرضتم لعتاب أحد الجيران أو دعائه.
بُني! إنني أحب أن أراك وإخوتك وأنتم تستمتعون بوقتكم، وأعدكم أن أصطحبكم في نهاية كل أسبوع إلى أحد الأندية أو الأماكن المخصصة لِلَعب الكرة؛ فتلعبون بكل حرية، وقد ألعب معكم ولن يحدث ضرر لكم بإذن الله. شكرًا لك لأنك استمعت إلى نصيحتي، استمتع بوقتك حبيبي!. ثم مضى الأب في طريقه تاركًا الابن يفكر في الموضوع.
كيف هو الأثر الذي سيتركه هذا النوع من الحديث. لقد أشعر هذا الأب ابنه بالمسؤولية والكرامة، وأتاح له فرصة الاختيار ولم يجبره على طاعة الأوامر. إذن ما النتيجة المتوقعة؟!
حتمًا سيختار هذا الطفل السلوك الأفضل، وسيستمر على هذا السلوك (بإذن الله) حتى في غياب والده؛ لأنه شعر أنه من اختياره هو وعن قناعة.
إن حوار الآباء الهادي الحنون العقلاني مع أبنائهم حول مشكلاتهم يثمر نتائج باهرة، منها:
توسيع مدارك الطفل ودائرة اهتمامه مهما كان صغره، وجعله أكثر قدرة على العطاء والتحكم في مشاعره وتصرفاته في المستقبل.
الإسهام – بشكل كبير – في تبصير الطفل بمشكلته وأبعادها، ومدى تأثيرها في حياته.
زيادة منسوب الثقة والقرب والألفة بينه وبين والديه؛ مما يساعد في تقريب وجهات النظر بينهما.
تنمية القدرة على الاختيار، واتخاذ القرار والتفريق بين الصواب والخطأ لدى الأبناء لا ليكونوا مجرد أدوات نملي عليهم ما يجب فعله وما لا يجب.
ما أجمله من خُلق حين تتحدث مع طفلك بأسلوب غير مباشر  عن خطئه  ليكف عنه وهو يشعر أنه هو الذي اختار ذلك.
ينبغي ألَّا نستعجل نتائج الإصلاح، لأن الإصلاح الحقيقي ينبع من الداخل ولابد أن يكون بقناعة تامة، فإذا تركنا لأبنائنا مساحة للتأمل والتفكير كان اختيارهم وقرارهم بإرادة قوية، وهذا الذي يدوم بإذن الله.
تنبيه:
بعض الأخطاء لا تحتمل إعطاء مساحة وفرصة للطفل للاختيار والتراجع، بل يجب إبعاد الطفل عن خطئه مباشرة، خصوصًا ما كان فيه خطورة بالغة على الطفل (المربي يقدر ذلك).
تويتر: @naif_odian