هل حياة بلا دراسة رسمية محكوم عليها بالفشل؟

في بادئ الامر أريد أن أقول أن هذا المقال ليس عن تجارب أو قصص نتسامر بها عن المدرسة بل هو عن شخص منبوذ في آخر الزاوية شخص لم يدخل المدرسة يوماً. وهي الفتاة نفسها التي تكتب لكم وتقرؤون لها الآن. بدايةً، سأجيبكم عن السؤال الذي يقفز في أفواهكم جميعاً، لم أدخل المدرسة بسبب ظروفٍ أحالتني لهذا الوضع وليس من المهم الآن أن أقول ماهية هذه الظروف وماذا حصل إلى آخره.
لكن برغم من ذلك تمكنت من القراءة في سن مبكرة بفضل أبي وصديقة كانت تعطيني كتباً مدرسية فتعلمت منها وهذا ساعدني كثيراً ولكن بطبع لم يكن الدرب مفرشاً بالورود فلقد بلغ بي الحزن إلى أن ظننت أنه لا حياة لي في دنيا العلم والمتعلمين وكنت أستشيط غضباً عندما أرى فتاة بثوب المدرسة ولكم كنت أغضب من نظرات الاقرباء المليئة بالاستغراب والظن بأني أمية لا تقرأ ولا تكتب حرفاً ولا أنكر أن هذه الامور قد أصابتني بالإحباط وشعرتُ أن عزيمتي لا فائدة منها لبعض الوقت فقط، ففي عمر الحادية عشر دخلت عالم التدوين بالبدء في شبكة كيونوتك للتقنية كنت مبتدئة جداً في عالم التدوين لذلك كنت أكتب مقالات قصيرة ولكني تلقيت ردوداً جيدة على ما أدونه وخصوصاً في هذا العمر ولكن لم أكن لأتجرأ
بالقول بأني لم أتلقى تعليماً ولم أدخل المدرسة فهذا يعني معركة أخرى مع المجتمع ونظراتٍ أخرى من الاستغراب والاستهزاء كما كنت أظن، ولم أدرك قط أن عدم دخولي المدرسة نقطة في صالحي فقط أن استغللتها بشكل صحيح وفي الوقت المناسب، ولربما تتسألون عن ماذا حدث لي بعد أن تركت التدوين في شبكة كيونوتك بعد سنة من التدوين فيه، لقد قلت في قرارة نفسي : لابد من تغيير! فهل سأخجل من نفسي طوال العمر؟.
لكن إفصاح الحقيقة يحتاج ذكاءً والوقت المناسب لذلك فليس الغرض من هذا التباهي أمام من هب ودب بل الغرض منه أن يتم توعية الناس بهذه الفئة القليلة من الناس لأنه من الخطأ مثلاً أن تعامل شخصاً لم يتلقى تعليماً على أنه شخص أمّي وتتفاجأ منه إذا كان يعرف القراءة والكتابة! يجب على الناس أن يعلموا كيف يجب عليهم التعامل مع هذه الفئة، ولهذا السبب تركت كيونوتك فلم أجد أي تغيير ملموس سوى بعض التصفيق وانتهينا وهذا لا يعتبر تغييراً في رأيي.

أريد أن أرى شذرة أمل في العالم العربي وأن أكون شيئاً يعيد العرب إلى رشدهم ويجعلهم يتعرفون على أنفسهم وليعرف المسلمون ماذا وصى لهم الاسلام ليعلموا كيف يتعاملون مع أي فئة مهما كانت ولا عيب في أن يأخذوا النصيحة من فتاة عمرها 14 ولم تتلقى تعليماً.

فتفرغت لتثقيف نفسي وتمكينها قدر المستطاع في عالم التدوين وصناعة المحتوى وبكل ما تستهويه نفسي من فنون وعلوم ولكن الكتابة كانت وما تزال في المقدمة وأزلت من رأسي الكلمات السلبية ومن أهمها كلمة “مدرسة” فلكم كانت تغضبني هذه الكلمة والجدير بالذكر أن من أهم عوامل وصولي لهذه المرحلة هي عدم وجود مكان للوسائل الاجتماعية في حياتي فهي تحمل من المشاكل والتشتيت ما يغنيني تماماً عنها فإذا كنت تريد بلوغ مرحلة ما والانجاز فيها فعليك الابتعاد عما يشتتك عن هدفك صوب نحو الهدف مباشرة وأمشي نحوه فالطريق مليئة بالأحجار فأن ألتفت يميناً ويساراً وأعني هنا “المشتتات” فيحزنني أن أقول لك أنك ستقع وسيصبح الهدف بعيداً عنك في النهاية، ليس هناك نجاح من دون فشل صحيح؟ فلكم وقعت في حفرة وحاولت الخروج منها حتى تقابلني حفرة أخرى وهذا ما نسميه “الفشل” فمن سخرية وازدراء إلى صعوبة الحصول على العلم والمعلومات الجيدة ويجب عليك أيضا احتمال الكثير من التعليقات السلبية التي قد تثبط عزيمتك وقد تحول بينك وبين النجاح فأذكر مرة رآني أحد أقربائي وأنا أكتب بعض الملاحظات حول موضوع أريد كتابته فسألني سؤالاً قد أقام الدنيا ولم يقعدها بالنسبة لي سألني : هل تعرفين الكتابة؟! فمن أهم قواعد الانجاز هي عدم الاكتراث بما يقوله الناس فهي – قصداً أو من دون قصد – ستحزنك وستحد من إنتاجيتك وعملك نحو الهدف وستجعلك مهملاً فليس من الضروري أن تكون ناجحاً بل منجزاً ودقيقاً في كل أعمالك فهذا كفيل بأن يجعلك ناجحاً يوماً ما.
وماذا عن صعوبة الحصول على المعلومات؟ صديقتي كان لها فضل كبير في ذلك ولكنها توقفت عن إرسال الكتب في وقت مبكر لتسافر وتكمل دراستها فلجئت إلى الانترنت وبحكم صغر سني كنت أصدق الكثير من المعلومات المغلوطة هذا الامر تطلب الكثير من الصبر للإصلاح ما فات من معلومات خاطئة وهذه قاعدة أخرى من قواعد الانجاز إذا لم تكن صبوراً فلا تتوقع لمشروعك مثلاً أن ينجح أو أن تصل لهدفك بسهولة فهذه الامور تتطلب قدراً كبيراً من التخطيط والصبر، أبي كان يقول لي دائماً “الناجح فعلاً من يكون عقله دائماً أكبر من سنه” يمكنك أن تعتبرها قاعدة من قواعد الانجاز لكن بالنسبة لي هي مبدأ من مبادئي لا يمكنني الانطلاق في رحلة الحياة إلا من خلال هذا المبدأ وهو أن تثقف نفسك وتقرأ كثيراً وأن تقف على رجليك من خلال ما تعلمته وليس من خلال المناصب والاموال، الآن نسبة الأمية 27.1% من العالم العربي ومن المتوقع أن الأمية لن تمحى من العالم العربي إلا في عام 2050 أي عندما يكون عمري 48 سنة هل يجب أن ننتظر؟ أم علينا أن نغير الواقع؟، أخيراً أرفض تسمية هذه القصة قصة نجاح بل هي كما أفترض قصة إنجاز قبل كل شيء فأنا لم أنجح بعد بل أمامي الكثير لأتعلمه ومن يدري ربما تصبح أنت قصة النجاح القادمة.

 

فاطمة هاشم الكثيري – مدونة

فنلندا: جو دراسي جيد، نتائج جيدة

هذه التدوينة تتحدث عن إيجابيات التعليم في دولة فنلندا، و هي عبارة عن مجموعة من المعلومات المتفرقة التي قام بترجمتها الصديق ياسين زكرياء من مقالة في مجلة Le Monde de l’éducation الفرنسيّة.
-التربية الاندماجيّة: تقوم على دعم التلاميذ الذين عندهم مشاكل في التعليم بدمجهم مع تلاميذ متفوقين، فهذا يحفزهم بشكل إيجابي على التّطور، و يخلق جو من المنافسة.
– لا يجب أن نترك تلميذاً على الهامش أو غير منسجم داخل الفصل الدراسي.
– الجميع سواسية، يحترمون قانون المدرسة، و يستحقون كل الاحترام و التقدير.
– دور الأستاذ ليس تعليمي فقط بل تربويّ.
– الأستاذ يقوم بمساعدة التّلاميذ و هو لا يمثل مصدر تهديد أو خوف، و علاقته معهم مبنية على الاحترام.
– إذا كان التلميذ ضعيف في التعبير الشفهي، نعطيه إمكانية التعبير بالكتابة.
– يجب التركيز على ما يبرع فيه التلميذ، قبل التّركيز على ما لا يبرع فيه.
– النقد الإيجابي و البناء المحفز دائماً يعطي نتائج جيدة.
– نظام التّنقيط مختلف و له دور هام، و في السنوات الأولى للتعليم، لا يحصل التلميذ الطفل على علامات بالأرقام، بل يحصل فقط على ميزات، ملاحظات و انتقادات.
– أحياناً يكون الصمت من ذهب، فعوضاً الإجابة المستمرة، أو المشاركة الدائمة في الحوار، لهذا لا يجب إجبار التلميذ على الحديث.
– التنقيط الذّاتيّ للتّلميذ يكون مشجعاً، و يعطيه إمكانية التّعبير عن النّفس، ويحسّن العلاقة بين المدرسة و التّلاميذ.
– يجب على الأستاذ أن لا يستخدم العنف بجميع أشكاله الجسديّ، واللفظيّ والنّفسيّ، حتى لو كان بغرض التّربية أو الإصلاح فهو ممنوع قانونياً. كما أن استخدام العنف مع التلاميذ إساءة لمهنة التعليم، و خطأ فادح في حق المتعلمين.
– يجب على التّلاميذ عدم الخوف للتّعبير عن أنفسهم، أو التّبليغ في الإدارة على ممارسات خاطئة يستعملها المعلمين.
– المدرسة الفنلنديّة ترى التّلميذ بنظرة مختلفة جداً، كما أن التّلاميذ الفنلنديين يحققون نتائج عالية مقارنة مع دول أوروبا الشّمالية والجنوبية.
– علامة الصفر غير مشجعة و محبطة، بالإضافة أن البعض يراها إهانةً للتلميذ.
– يجب الابتعاد على التّلقين والتّركيز فقط على حفظ المعلومات واستظهارها، فالتّلميذ ليس مجرد ذاكرة بل عقل يفكّر و يحلل و ينتقد وقادرٌ على الإبداع و الإنتاج.

ترجمة: ياسين زكرياء

كيف تصنع الدول من أطفالها علماء المستقبل

ربما يبدو الحدث متواضعًا مقارنة بهذا العنوان الضخم، حين تقوم مدينة قليلة السكان بالاحتفال بالعلم لمدة يومين، لكن آلية الاحتفال وسلوك الجهات المشاركة فيه يعطيان درسًا جيدًا في كيفية صناعة علماء المستقبل دون حاجة إلى ميزانية بالمليارات، بل بقناعات راسخة لدى القائمين على هذا الاحتفال بأن الأمر ليس أقل من مستقبل أمة، وأن الخيار يتراوح بين شباب يكون عالة على بلاده وشباب يرفع من شأنها بين الأمم.
المناسبة
بون، وهي العاصمة الألمانية السابقة، والتي عادت إلى سابق عهدها مدينة صغيرة لا تظهر على الخريطة، تحتفل كل عامين بمناسبة يطلق عليها أهلها اسم (ليلة العلوم)، والحقيقة أن هذه (الليلة) تمتد يومين، تقام فيها خيمة في وسط المدينة تستقبل الجمهور في اليوم الأول من الساعة التاسعة صباحًا حتى الثامنة مساء، وفي اليوم الثاني من التاسعة صباحًا حتى منتصف الليل، علاوة على ذلك تفتح الجامعة أبوابها وقاعاتها ومتاحفها وأرشيفها من السادسة من مساء اليوم الثاني إلى منتصف الليل، بحيث لا تتعطل الدراسة فيها.
تتولى المدينة تمويل هذه المناسبة، فتدعو الجامعة وجميع المراكز البحثية والهيئات العلمية والمتاحف بالمنطقة للمشاركة فيها، وتوفر لهم في الخيمة أجنحة تتسع لاستقبال الزوار وللتعريف بما تقوم به هذه الجهات من أبحاث وأنشطة علمية، وما تقدمه في قاعات متاحفها، وكل الخدمات التي توفرها للجمهور المتشوق للمعرفة، والجمهور الذي لم يهتم بذلك من قبل.
قبل الحديث عن سر نجاح هذه المناسبة في اجتذاب جمهور يتراوح عدده بين 15000 إلى 18000 زائر، خلال هذه الساعات القليلة في مدينة عدد سكانها قليل، وليست مقصدًا للسياح القادمين من كل مكان، والسبب في النتائج الباهرة لهذا العمل المتواضع مقارنة بالمعارض الضخمة التي يصل عدد زوارها إلى مئات الآلاف، تجدر الإشارة إلى أن أهم الجهات المشاركة هي: وزارة التعليم والبحث العلمي الاتحادية، جامعة بون، جامعة كوبلنز التطبيقية، مؤسسة هيلمهولتس البحثية العملاقة، مؤسسة فرانهوفر البحثية، مركز أبحاث الفضاء، متحف الحيوان والحشرات، متحف الرياضيات، متحف المصريات، الهيئة الألمانية للتبادل العلمي، مركز الرياضيات، مركز الأخلاقيات في الطب، وكان الاحتفال هذا العام تحت شعار (المجتمع الرقمي)، أي تأثير الثورة الرقمية على حياتنا اليومية.
في الخيمة
منذ اللحظة الأولى لفتح الخيمة أبوابها، كان كل شيء جاهزًا لاستقبال الزوار، وجدت صفا دراسيًا من المرحلة الابتدائية ينتظر في الخارج، قبل أن يدخل بنظام مع معلمتهم إلى الخيمة، كان في استقبالهم طلاب جامعة بون، ليرافقوهم إلى الجناح الذي يرغبون في زيارته، فاعتقدت أن الاهتمام سيكون منصبًا على الأطفال، ولن أجد من يتحدث معي، لكن الوضع غير ذلك تماما.
وجدت في أول جناح زرته جهازًا فيه صورة سمكة وبعض الإضاءة، ثم جاء شخص مهذب قدم لي نفسه، وبدأ يشرح لي أن الله حبا السمكة في جانبيها بجهاز استشعار أو مجسات (Sensors)، تتمكن من خلاله من التعرف على أي تغييرات في حركة الماء، الذي تسبح فيه، وذكر أن مراكز الأبحاث تحاول أن تتعلم من خلق الله، وتسعى لصنع مجسات مشابهة.
سألته عن أهم استخدامات هذه التقنية في الحياة اليومية، فقال إن توصيلات المياه العملاقة، توضع فيها هذه المجسات، لقياس أي تغير في حركة المياه، الأمر الذي يكشف عن وجود أي ثغرات في التوصيلات، ومكان هذه الثغرات، وبالتالي لا يحتاج العاملون إلى الكشف على مئات الكيلو مترات من المواسير، بل يصلون إلى المكان مباشرة، مما يحول دون إهدار المياه، التي ستقوم الحروب عليها في المستقبل.
ثم أشار إلى أن هناك استخدامات أخرى لهذه المجسات في مختلف مجالات الحياة، ومنها الطب، فعند توصيل أنابيب التنفس الصناعي لشخص فاقد الوعي، لابد من الحضور طوال الوقت بجواره، للاطمئنان على تنفسه بصورة طبيعية، وعدم تعرضه لأزمات قد تتسبب في وفاته، لكن بفضل هذه التقنية، يمكن اكتشاف أي تغيير في موجات الهواء المتصل بين الأجهزة الطبية، وبين الجهاز التنفسي للمريض دون الحاجة لبقاء الممرضة بجانبه طوال اليوم، لأن هذه المجسات تصدر صوت إنذار، فتأتي الممرضة أو الطبيب فور حدوث أي اضطراب في التنفس.
في حواري معه تبين أنه رئيس قسم العلاقات العامة في واحدة من أكبر مراكز الأبحاث في ألمانيا، فسألته عن كيفية استعداده للمشاركة في هذه الأنشطة، فأوضح أنه يط�’َلع على كل الأبحاث التي في المركز، وأنه حصل على دورات تربوية،عن كيفية تبسيط المعلومات لغير المتخصصين من الأطفال والكبار، وأشار إلى الألعاب التي صممها مركز الأبحاث، ليقيس الأطفال التغير في حركة المياه، والأفلام العلمية للشباب، علاوة على وجود ملف صحفي للإعلاميين، أي أن كل شخص يجد ما يناسبه، وهذا فعلاً شيء جيد.
أبحاث الفضاء والطب
في منتصف الخيمة يوجد جناح مميز مكتوب عليه بخط ضخم «مركز أبحاث الفضاء، وصورة سيدة تقيس الضغط، وبجانبها هاتف جوال، وجدت رجلًا وقورًا كبيرًا في السن يهش لاستقبالي، سألته عن وظيفته لأجري معه حوارًا، فقال إنه رئيس قسم الأبحاث الطبية في مركز أبحاث الفضاء، فطرحت كلماته الكثير من علامات الاستفهام، أولاً ما علاقة الطب بأبحاث الفضاء؟ وثانيًا لماذا يقف عالم كبير في مكانته في هذا المكان المتواضع؟
طرحت عليه السؤالين كما خطرا على بالي دون تجميل أو تنميق، فأشار إلى أن هناك الكثير مما يمكن الاستفادة به من أبحاث الفضاء في مجال الطب، لأن رواد الفضاء يحتاجون أيضًا إلى الرعاية الطبية، لكن من المستحيل إرسال فريق طبي معهم، لذلك يتم الاستعانة بتقنيات حديثة تقوم بالتشخيص، وترسل التقارير للأطباء على الأرض، ليتابعوا الحالة الصحية عن بعد، ولذلك فقد أفلح فريقه في ابتكار تقنيات، تتيح لكبار السن غير القادرين على الحركة، أن يستخدموا جهاز الضغط أو غيره من الأجهزة، فتنتقل المعلومات عن طريق البلوتوز بالجوال أو اللابتوب إلى الطبيب، الذين يقرر ما ينبغي القيام به، من توجه سيارة إسعاف، أو إذا ما كان الأمر لا يتطلب ذلك.
وقال إن هذه التقنية تستخدم بنجاح في القوات المسلحة وحرس الحدود بصورة خاصة الذين يبتعدون عن أماكن وجود المستشفيات، أو في أستراليا التي تبتعد شواطئها عن أقرب مستشفى بمئات أو آلاف الكيلومترات، لأن مساحتها شاسعة، أما الاستخدام الجديد، والذي سيدخل حيز التطبيق من العام القادم في عدة شركات طيران ألمانية، فهو عبارة عن قرص بحجم قطعة النقود المعدنية، مطلوب من قبطان الطائرة أن يضع إصبعه فوقه، على فترات منتظمة، ومن خلال تحليل البيانات التي تصل إلى القسم الطبي في الأرض، تصل للقبطان إشارة إذا كان مرهقًا، لتأمره بضرورة النوم، والاستيقاظ قبل موعد الهبوط بنصف ساعة، ليكون تركيزه عاليًا وقتها.
وردًا على السؤال الآخر عن سبب مشاركته بنفسه، قال إن الراتب الذي يحصل عليه، وكل ميزانية مركز الأبحاث، تأتي من أموال دافعي الضرائب، ولذلك فواجب عليه أن يطلعهم على المجالات التي يجري فيها إنفاق أموالهم، ومن البديهي أن يفعل ذلك بنفسه، لأنه مدين لهذه الجماهير بالامتنان على سخائهم معه ومع بقية زملائه، والنقطة التي لا تقل أهمية، هو أنه لو لم يفلح هو وزملاؤه المشاركون في بقية الأجنحة في جذب اهتمام الأطفال والشباب للعلوم المختلفة، فمن يخلفه في وظيفته، ومن يقوم بهذه الأبحاث في المستقبل؟
الحقيقة أن كلامه بدا منطقيًا جدًا، ولكن لماذا لا نفكر بهذه الطريقة؟ لماذا لا نجد علماءنا إلا في المؤتمرات والندوات، ومع علية القوم وكبار المسؤولين، ربما يتغير موقفهم، إذا فكروا في أهمية دورهم في جذب الأطفال والشباب للبحث العلمي.
طلاب موهوبون ناضجون
في جناح مركز الرياضيات بجامعة بون، وجدت طالبتين في العقد الثاني من عمرهما، تتحدثان بثقة كبيرة في النفس عن أهمية الرياضيات في حياتنا، فالنشرة الجوية وتوقعات الطقس عبارة عن مئات العمليات الرياضية، وكل ما نفعله في الكمبيوتر حصيلة معادلات لا حصر لها، ودفع المستحقات بطريقة آلية كذلك، وغيرها كثير.
كانت الفتاتان تتحدثان بشعف وحب كبيرين عن هذه المادة، سألتهما عن الرأي المنتشر بأن الرياضيات من الفروع التي يتفوق فيها الطلاب، على عكس اللغات التي هي مجال تفوق الطالبات، فأجابتا بأن ذلك للأسف صحيح، وأن المركز الذي تعملان فيه بصورة تطوعية يضم غالبية من الطلاب.
سألتهما عما قصدتا بكلمة (تطوعية)، فقالتا إنهما حصلتا على منحة دراسية من الدولة، وتريدان أن تردا الجميل، لذلك فإنهما التحقتا بهذا المركز، والذي يهدف في المقام الأول لاجتذاب الطلاب والطالبات بصورة خاصة لمادة الرياضيات، لذلك يزورون المدارس، ويقدمون ألعابًا شيقة، وبعد أن ينتهي اللعب، يوضحون للطلاب أن كل ما قاموا به كان رياضيات، وعرضوا نماذج لهذه الألعاب، تجسد الحقائق الرياضية بصورة مرئية.
هذا الجيل الجديد عنده نوع من التحمل، تجعله قادرًا على التعامل مع كل المواقف الصعبة ببساطة شديدة، لا يتعلم إلا ما يحب، ومستعد للتضحية بالكثير من وقته في عمل تطوعي، لإيمانه بجدوى ذلك للجماعة، وإتقانه للتقنيات يجعل إيقاع الحياة سريعًا للغاية، حيث ما كدت أغادر الجناح، حتى وجدت رسالة في بريدي الإلكتروني منهما، مرفق بها صور للتدريبات المدرسية على الرياضيات.
أطفال في معامل البحث
في جناح مؤسسة أبحاث فراونهوفر تعرفت على الدكتور أنطون شوللر، وهو نائب رئيس قسم هندسة المحاكاة، والذي شرح لي ابتكار العاملين في المؤسسة لبرامج كمبيوتر، قادرة على تحديد أفضل وضع لترتيب معدات مختلفة الأشكال في حيز معين، بحيث تتسع لأكبر كمية ممكنة، الأمر الذي يوفر مبالغ هائلة، لذلك فإن شركات صناعة السيارات مثل بي إم دبليو وأودي ودايملر وميني، كلها تستخدم هذه البرامج.
في داخل الجناح نماذج من هذه القطع، وصندوق لوضعها، ليلمس الأطفال فائدة هذه البرامج، لكن الأهم أن المؤسسة توفر دورات تدريبية لطلاب المدارس تستمر الدورة لمدة أسبوعين، وأنها تكون أثناء العطلة الصيفية أو في شهر يناير، ولا تشترط أن يكون المتقدم متفوقًا في الرياضيات، بل يكفي أن يمتلك الحماس والرغبة في العمل البحثي، وأضاف قائلاً إنه كثيرًا ما يحدث أن يخرج هؤلاء الطلاب بأفكار مبتكرة يستفيد منها العلماء.
نفس الحديث عن التدريب الطلابي سمعته في مركز أبحاث الفضاء، ومؤسسة هيلمهولتس البحثية العملاقة، وهو أمر غريب أن نتصور طلاب مدارس في معامل بملايين اليوروات، وحولهم علماء يتمتعون بسمعة عالمية، كلهم يجدون الوقت لتدريب هؤلاء الطلاب والطالبات، حتى إذا غادروا هذا المكان، بقيت لديهم الرغبة في العودة إلى البحث العلمي، ليدرسوا الكيمياء والفيزياء والأحياء والرياضيات.
في الجامعة
في اليوم الثاني كان الجمهور على موعد مع أنشطة من نوع مختلف، أساتذة الجامعة المتخصصون في الطب، يقدمون محاضرات بأسلوب مبسط للجمهور العادي، سواء كانوا أطفالاً أو كبارًا، وكان الموضوع الرئيس عن أمراض الشيخوخة، التي تفشت بسبب ارتفاع متوسط طول الأعمار، فمثلاً مرض (الخرف)، أي اضطراب القدرات الإدراكية، يصيب واحدًا في المائة من الأشخاص الذين يبلغون الستين، و10 في المائة من الأشخاص في الثمانين من عمرهم، و30 في المائة من الأشخاص الذين بلغوا التسعين أو أكثر من العمر، علمًا أن 300 ألف شخص يصابون سنويًا بهذا المرض في ألمانيا.
فجأة يصبح الطب أمرًا مفهومًا ملموسًا، يهم كل إنسان، وتأتي صور وأفلام توضح العلاقة بين خلايا المخ، وما يحدث لها عند الإصابة بهذا المرض، وآخر ما وصلت إليه الأبحاث في هذا المجال. طوال الوقت ساد الهدوء القاعة، ولم يغادر أحد المكان، رغم أن المحاضرة استمرت 45 دقيقة.
في المتحف المصري التابع لقسم تاريخ الشرق الأدنى والأوسط، توجد تماثيل فرعونية، والكثير من المقتنيات الأصلية، التي حصلت عليها بعثات التنقيب عن الآثار، باعتبارها مكافأة على الاكتشاف. في هذا المكان ألقى أستاذ التاريخ محاضرة عن الموميات، كان إلقاؤه بديعًا، والكل مشدود لما يقوله، والصور التوثيقية نشرت الخوف في أوصال الحاضرين، لكنه خوف محبب للنفوس، خوف بنكهة المغامرة.
فريق ثالث اتجه إلى متحف الرياضيات، حيث شاهدوا واحدًا من أوائل أجهزة الكمبيوتر من الستينيات، كان صوت التشغيل عاليًا، مما اضطر الأستاذ الجامعي لأن يرفع صوته إلى ما يشبه الصراخ، حتى يسمعه الآخرون، أوضح أنه لم تكن هناك أقراص مدمجة ولا (فلاش) لتخزين المعلومات، بل كان هناك شريط مثقوب مثل شريط التلفاكس قديما، وكانت المعلومات مسجلة عليه.
في صحن الجامعة كانت هناك طاولات، ومسرح ليعرض عليه طلاب مدارس ثانوية أنشطتهم، وبذلك تزول الرهبة من الجامعة، وتصبح العلاقة بين المدرسة والجامعة علاقة تعاون في أنشطة مشتركة، بين طرفين يتمتعان بالندية، ويجعل انتقال الطلاب بعد ذلك من التعليم الثانوي إلى التعليم الجامعي أمرًا طبيعيًا.
وقبل منتصف الليل رافق طلاب الجامعة الزوار في مجموعات، لا تزيد الواحدة عن 15 شخصًا، للتجول في أرشيف الجامعة، في جو من المغامرة والفضول، وكأنهم سيكتشفون عالمًا من الماضي، فيه مراجع وآثار وتراث أساتذة من القرنين الماضيين.
النزول من البروج العاجية
ربما يرى البعض أن هذه الأنشطة يهيمن عليها طابع الطرافة، ولا علاقة لها بالعلم الحقيقي، الذي اعتدنا أن نسمع عنه، العلم الذي نجده في المكتبات، التي تعلو كتبها الأتربة، والمعامل التي لا يدخلها إلا الخبراء، والمؤتمرات العلمية التي لا يشارك فيها إلا الصفوة، العلم في مخيلتنا مكانه برج عاجي بعيد عن عالمنا، هذا العالم الذي تنتشر فيه الأسواق، ويلعب فيه الأطفال في الحدائق والشوارع.
لكن من يدقق النظر يجد أن العلم في هذا الاحتفال ينزل من برجه العاجي، ليكون بين الناس، وبخاصة بين الأطفال والشباب، لتعريفهم بأهمية العلوم المختلفة في حياتهم، ومساعدة أهلهم على اكتشاف ميول أطفالهم ومواهبهم العلمية.
حضر في هذا العام 15000 شخص، وكان العدد في قبل عامين 18000 شخص، والسبب في هذا التراجع، ليس النفور من العلم، أو لشعور بالفتور مما تقدمه الجهات المشاركة، بل لأن الطقس كان ممطرًا بشدة، ولذلك فإن الكثير من الأنشطة الموجودة في أماكن مفتوحة، لم تصمد طويلاً أمام أبواب السماء المفتوحة على مصراعيها.
النجاح الذي تحقق في هذين اليومين يعود إلى إيمان جميع المشاركين بأن ما يقومون به هو لعب أهم من الجد، وأنهم يزرعون نبتة في صدور الأطفال والشباب، تأتي ثمارها بعد عقود، لكنها تأتي لا محالة، والدليل على ذلك أن ألمانيا التي لا تملك أي ثروات طبيعية تقريبًا في باطن الأرض، تمتلك اقتصادًا يقوم على المعرفة، وشبابًا ليسوا أفضل من أي شباب في بلادنا، لكنهم في ألمانيا يجدون من يفتح عيونهم على الكنز المدفون في داخلهم، وهو حب العلم والمعرفة، فهل تصلح تجربة مدينة بون للتطبيق في أي من مدننا وبلادنا؟