المعلم العربي “بين ثِقَلِ الرِّسالةِ وفُقدان الكِرامةِ ..هزيمةٌ للمشروع الحضاري للأمةِ “

المعلم العربي "بين ثِقَلِ الرِّسالةِ وفُقدان الكِرامةِ ..هزيمةٌ للمشروع الحضاري للأمةِ "

تمتاز مهنة التعليم عن غيرها من المهن بأنها تحمل معنى رساليًا ، ويتجسد هذا المعنى في قول الرسول صلى الله عليه وسلم  :” إنما بعثت معلمًا ”  ، فالرسول صلى الله عليه وسلم  بكونه معلمًا أعطى للمعلم صفة رسالية ، وهذه الصفة أحاطته بهالة من القداسة والهيبة والوقار .وأمير الشعراء شوقي لم يجد أعظم من صفة الرسالة يقرن بها المعلم .فقال قولته المشهورة التي ما تزال باقية خالدة تصدح في مسامع الكون :

قم للمعلم وفه التبجيلا        كاد المعلم أن يكون رسولا

والرسول صلى الله عليه وسلم رأس الدولة حصر مبعثه في كونه معلما وحسب بحيث لايتجاوزه إلى أي وصف من أوصاف الدنيا ؛ كزعيم أوملك أو رئيس أو قائد مثلا  وكلها أوصاف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُمثلها ، إلا أن الصفة  الحقيقية الغالبة عليه صلى الله عليه وسلم  تمثلت بكونه معلمًا ، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم    نفسه معلمًا وهو رأس الدولة ؛ يحمل أعظم المعاني وأبلغها في أنه الرسول المعلم صانع الجيل جسدا وعقلا ، قوةً وفكرًا ، ومن بين يديه تخرج بناة الحضارة العربية الإسلامية : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد وأبو عبيدة وسعدومصعب وجعفر وخالد…

إن المتأمل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم :” إنما بعثت معلمًا ” يتبادر إلى ذهنه معادلة مكونة من ثلاثة عناصر هي : معلم و منهج و تلاميذ ثم نتيجة كبرى لمجموع هذه العناصر . و إذا حللنا هذه المعادلة يكون الرسول   صلى الله عليه وسلم  هو “المعلم ” ،و القرآن الكريم هو ” المنهج ” ، والصحابة هم التلاميذ النجباء.وعندما تفاعلت العناصر الثلاثة هذه ؛ ظهرت إلى الوجود نتيجة كبرى ،وهي أن الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم  أنقذ البشرية من الضلال ، وأخرجها من الظلمات إلى النور ، ونشر الحب وبثَّ التسامح وبَسَطَ الخير ، وحرَّر الناس من العبودية للبشر، وجعلهم ينعمون بالأمن والاستقرار والسلام (الحقيقي) عندما طبق العدالة والمساواة بين البشر “لأول مرة في تاريخ الوجود” تطبيقًا عملياً ،وتَغَلَّبَ على أعتى حضارتين عُظْمَيين في ذلك الزمان “الروم ” و “الفرس ” ، لقد تَغَلَّبَ على تلكما الحضارتين ليس بالقوة وحدها وحسب ، بل و بالفكر أيضا ، وبنى أعظم حضارة عربية إسلامية في الوجود ترث تلكما الحضارتين .

إنَّ محور تلك المعادلة ..قائدها ..ربانها..كان الرسول المعلم رأس الدولة وهو عندما انتصر في تحقيق أدائه ؛ ظهرت إلى الوجود الحضارة الإسلامية شامخة كالطود العظيم والجبل الأشم .ماذا يعني ذلك كله ؟

إن المعلم هو الدولة ، وأنه إذا انتصر في تحقيق أدائه انتصرت الدولة ، وإذا هزم هزمت الدولة ؛ لأنه مؤسسها وبانيها ،وكل أفرادها كانوا تلاميذه ،فهو مُعدُّهم وصانعهم ، ونحن نستطيع أن نحكم على سلامة بناء الجيل وصلاحهِ  من خلال أداء المعلمين .

إن المعلم عندما قام بدوره الحقيقي انتصرت الأمة ، وَبَنَتْ حضارتها ، وكانت عصية على أعدائها ،فقد انتصر المعلم العربي المسلم على المعلم الروماني والمعلم الفارسي ، لقد انتصر على الحكمة الرومانية و الفلسفة الفارسية .

وما الهزيمة التي تعيشها أمتنا اليوم إلا نتيجة حقيقية لهزيمة المعلم ، فلقد هزمنا معلمنا عندما حمَّلناه ثقل الرسالة وأعباءَها، وألقيناه في بحر متلاطم الموج ثم قلنا له كنْ رسولاً.. ! إياك إياك أن تبتل بالماء !. واليوم كيف يمكن أن يصنع القوة من كان ضعيفا هزيلاً مادياً ومعنوياً ؟ وكيف نطلب من المعلم أن يكون مُبدعًا ، وهو مهزوم معنوياً ونفسياً ، ومصاب بداء فقدان الكرامة ؟ ولن يعبرعن مرارة حاله بصدق إلا إبراهيم طوقان عندما قال :

يا من يريد الانتحار وجدته        إن المعلم لايعيش طويلا

أنّى للنفوس المهزومة أن تبدع أبدا ؟ وأنّى لها أن تحرر شعبا أو تعيد أرضا سليبة ؟ وإن تَزيَّتْ بلباس العلم وتَحَلَّت بِحُلى الثقافة الباردة ، إننا لوعدنا إلى تلك المعادلة وسألنا الصحابة – رضي الله عنهم – كيف حققتم ما حققتم ؟ لقالوا حققنا ماحققنا بفضل الرسول “المعلم ” ، والقرآن “المنهج” .  وإذا كان القرآن الكريم موجودا وباقيا مابقيت الدنيا ؛ فإننا اليوم بأمس الحاجة إلى المعلم الذي يكاد أن يكون رسولا . ولن يكون رسولا إلا إذا تضافرت معه كل الجهود ، ووقفت معه الدولة تنصره النصر المؤزر .

الأستاذ فؤاد رشدي الحطاب

اترك تعليقاً