ساعة تأمل يومياً ضرورية جداً في كل بيت

عندما يولد أي طفل ويأتي إلى هذه الدنيا، فإن أبونا آدم يأتي وليس أقل… آدم الذي يعيش في جنة الفردوس دائماً وأبداً، لأنه يثق بالحياة ويستمتع بأصغر الأشياء كالحجارة والأصداف على شاطئ البحر، ولا يعرف كيف يصنع البؤس لنفسه أو أي أحد…

لن تدخلوا ملكوت الله إنْ لم تعودوا كالأطفال…

كل شيء مبهج وفاتن بالنسبة للطفل، من قطرات الندى في شمس الصباح والأزهار والفراشات، إلى القمر والنجوم البراقة في الليل…
هذه الفترة من العمر قصيرة جداً، وهي تدريجياً تقصر أكثر مع تغير الأجيال، لأن الأطفال اليوم يتم تعليمهم منذ البداية على الصراع والطمع والمنافسة.

علينا عندما نبدأ بتعليم وتغذية فكر الطفل، أن نعلمه التأمل في ذات الوقت…

مثلما يبدأ الطفل بتلقي وفهم العلم، عليه أيضاً أن يفهم الدين والتديّن الحقيقي…

مثلما يكبر رأسه ويبرق بالذكاء، دع قلبه أيضاً يكبر ويشعّ بالنور…

لا تدعه فقط يكبر ليعرف كثيراً عن الأشياء والنظريات…
بل دعه يكبر أيضاً ليختبر ويعيش هذه الكلمات…

لا تدع ممتلكاته المادية فقط تنمو…
بل دعه هو ينمو!

لا تدع ممتلكاته الخارجية فقط تكبر وتنتشر…
بل دع عوالمه الداخلية أيضاً تتعمق وتزدهر…

مثلما الشجرة تنشر فروعها عالية في السماء…
لكن جذورها أيضاً ممتدة في أعماق الأرض…

وكلما تعمقت الجذور ارتفعت الزهور وانتشرت العطور…

أعطوا أطفالكم التأمل مع التفكير…
التفكير سيساعدهم على النجاح في العمل ودنيا الأشياء…
والتأمل سيساعدهم على النجاح في الروح والتحليق في السماء…

أعطوهم أفكاراً لتشحذ فكرهم وذكاءهم…
وأعطوهم تأملات لتغذي قدسية قلوبهم…

أعظم ظاهرة على الإطلاق تحدث عندما تلتقي القلوب الكبيرة مع العقول النشيطة…
في ذلك اللقاء، يتوازن النشاط والاستسلام مع بعضهما، يتوقف ظهور النهار والليل وتقلبات الحياة، فتبدأ باستقبال الإشارات من الخلود، الأعمق من الحياة والموت.
عملية التعليم الحقيقية مختلفة تماماً عن التعليب الذي تجده في المدارس المنتشرة…
التعليم الحقيقي له خمسة أبعاد: البعد الأول هو المعلومات، مثل تعليم اللغات، التاريخ والجغرافية والمواضيع الأخرى، وهذه يمكن إيصالها بالتلفاز والكمبيوتر.
البعد الثاني هو العلوم، والتي أيضاً يمكن إيصالها بالتلفاز والكمبيوتر مع إرشاد من إنسان متعلم.
البعد الثالث هو فن الحياة، الحب والمرح والضحك وحب الحياة، السباحة في بحر أسرارها وكنوزها المدهشة واحترامها.
البعد الرابع هو الفن والإبداع، حيث يمكن للطالب أن يختار أي لون من الفنون ويصبح جزءاً من الكون البديع المبدع.
البعد الخامس هو فن الموت، الذي يتضمن كل أنواع التأمل، مما يجعل الطفل مدركاً للحياة الأبدية الكامنة داخله.

الطفل الصغير متحرر من الخوف، وكل الأطفال يولدون دون أي أثر من الخوف… إذا استطاع المجتمع أن يساعدهم ويساندهم للبقاء دون خوف، يشجعهم على تسلق الجبال والأشجار والسباحة في المحيط والأنهار، يشجعهم على المغامرة في كل فرصة متاحة لمواجهة المجهول، إذا استطاع المجتمع زرع عطش كبير للبحث في الطفل بدل إعطائه المعتقدات الميتة… عندها سيصبح الأطفال عاشقين عظيمين للحياة وكل ما هو حيّ، وهذا هو الدين الحقيقي… لا يوجد أي دين أعلى وأسمى من دين الحب.

كيف يمكن للطفل أن يتأمل ؟
إننا نعيش في مجتمع متسارع الخطى، وقتنا صار ثمنه مقدراً بمقدار ما نقبض من المال… لذلك لا عجب أن معظم الأطفال يدخلون كثيراً في النشاطات والرياضات خارج منهاج المدرسة، بما فيها السباحة والتزلج والكشافة والرقص وغيرها… يلتهون فيها كثيراً لدرجة أنهم بعد الغداء أو أداء الوظيفة لا يجدون وقتاً لأخذ نفس، وفجأة يأتي موعد النوم.

والأهل في بعض الحالات قد أنهكوا أطفالهم بنشاطات جديدة ومفرطة، حتى صار كثير من الأولاد لا يستطيعون النوم!
على خلاف هذا المجتمع الراكض نحو الجنون، يمكن للتأمل أن يعطي نشاطاً وحيوية كبيرة وصحة جسدية وروحية معاً، وأكثر من هذا، التأمل يسمح للمرء أن ينظر داخله ويتصالح مع نفسه، فيعيش الهدوء والسلام والسعادة الفطرية.

التأمل في الأساس يساعد الأطفال ويعلمهم كيف يتصلون بذاتهم وبصوتهم الداخلي، وتقوية مخيلتهم وإبداعهم، واكتشاف جوهرة الموهبة الأصيلة الموجودة فيهم.
التأمل يعطي الأطفال القوة والتحكم بتفكيرهم وعواطفهم، ليس عن طريق الكبت وضبط النفس، بل بفهمها وحبها وقبولها، ومراقبتها ببساطة.

إذا استطعنا مساعدة الأطفال ليصيروا متأملين يمكننا تغيير العالم بكامله، كله سيتغير عندما نغير طاقتنا ووعينا… لكننا لا نعلمهم أبداً التأمل…
نعلبهم ونعلمهم الجغرافية والتاريخ والسياسة وكل أنواع السخافات عديمة القيمة.

الأطفال أقرب من الكبار إلى الفطرة والبراءة، لأن المجتمع المكوّن من الأهل والمدرسين ورجال الدين، لم ينجح بعد في حشو عقولهم وبرمجتها بالمعتقدات والمثل والوصايا… الأطفال يستخدمون فكرهم فقط للأشياء العملية عند الحاجة، وليس للفلسفة والتخطيط وصنع المشاكل والحروب!

الأطفال على صلة أكبر بأجسادهم، على صلة أكبر مع أمهم الأرض…

وبسبب هذه الحالة من البراءة واليقظة وقلة سيطرة الفكر،

يستطيع الأطفال بسهولة وعفوية أن يدخلوا في حالة من التأمل…

علينا جميعاً أن نتعلم من الأطفال ونعلمهم كيف يتأملون ويدخلون في حالة اللافكر،

حالة الصمت والاستقرار والسكون…

يمكن للأطفال أن يتعلموا هذا بمنتهى السهولة والسرعة.

كما يجب أن يكون في كل بيت برنامج لمساعدة الأطفال على الصمت والتأمل،

وهذا ممكن فقط عندما يكون الأهل أيضاً يتأملون معهم…

ساعة تأمل يومياً ضرورية جداً في كل بيت…

يمكنك الاستغناء عن وجبة طعام أحياناً،

لكن يجب المحافظة على ساعة الصمت مهما كان الثمن…

من الخطأ تسمية هذه الجدران بـ “البيت” إذا لم تكن ساعة التأمل تحدث كل يوم…

حتى هذه العائلة لا يمكن تسميتها عائلة بل علّة بلا أمل إذا كانت بلا تأمل.

اترك تعليقاً